وزير غير علمي لوزارة علمية!

وزير غير علمي لوزارة علمية!

 

ربما لم يحدث في تاريخ الصيدلة من قبل أن أصدر وزير صحة قرارا أكثر تخبطا وعشوائية من هذا القرار. النتيجة هي فوضى شاملة في سوق الدواء. لم يعد أحد يعرف سعر أي دواء بمن فيهم الوزير نفسه!

تبدأ الحكاية مع الانهيار التدريجي والمستمر للجنيه المصري. حالة الاقتصاد تسوء يوما بعد يوم فتنخفض قيمة الجنيه وبالتالي يرتفع سعر الدولار. معظم مستلزمات إنتاج الأدوية في مصر – بما فيها المواد الفعالة – يتم استيرادها بالدولار من الخارج. يؤدي هذا إلى زيادة تكلفة الإنتاج بينما الدواء مسعر جبريا من وزارة الصحة فلا تستطيع الشركات المنتجة تحريك السعر بما يتناسب مع الزيادة. يقل ربح الشركات في بعض الأصناف شيئا فشيئا إلى أن تدخل في بند الخسارة فتتوقف الشركة عن الإنتاج ويختفي الدواء من الأسواق.
ظل هذا الوضع سائدا لفترة حتى وصل عدد الأدوية المختفية/ الناقصة من سوق الدواء إلى رقم كبير جدا (أربعة آلاف صنف بحسب تصريح لوزير الصحة تمثل نحو ثلث الأدوية). بالطبع لا توجد إحصائيات موثقة في بلادنا لكن يكاد لا يوجد بيت واحد في مصر لم يمرّ بمشكلة البحث في الصيدليّات في رحلة "كعب دائر" عن دواء غير موجود لأب أو أخ أو صديق.
ثم كان أن أصدر وزير الصحة قراره: زيادة أسعار جميع الأدوية تحت الثلاثين جنيها بنسبة 20% وبحد أدنى جنيهان!
لأول مرة يتم إصدار قرار عام وغامض وغير محدد بهذا الشكل. تخضع الأدوية لتسعير جبري من وزارة الصحة في الأصل لأن الوزارة تقوم بدارسة تكلفة إنتاج كل دواء على حدة مع وضع هامش الربح المعقول للشركة حتى لا يُترك المريض المحتاج للدواء للاستغلال. هذه المرة لم تقم الوزارة بدراسة أي حالة دواء، كما أنها لم تحدد سعرا للدواء! وإنما قررت رفع الأسعار دون تحديد! نقطة أخرى هي أنه دائما – وفي كل موجة ارتفاع لأسعار الأدوية، كانت تتبقى بعض الأدوية الرخيصة التي يمكن وصفها للغلابة. هذه المرة رفع الوزير الأسعار بلا دراسة وبلا استثناء، ثم أدلى بتصريح يقول فيه أن زيادة الأسعار في صالح المريض!
من ناحية أخرى أدى هذا إلى زيادة أسعار أدوية بشكل مبالغ فيه (سبازمودايجستين مثلا زاد من 9 إلى 15 جنيها) بينما لا توجد مشكلة لدى الشركة في إنتاج هذا الدواء ويتم بيعه بربح جيد، بينما في المقابل قد لا تكفي هذه الـ 20% الزائدة في السعر لتغطية خسائر إنتاج صنف آخر، فيظل في دائرة الخسارة ولا تستطيع الشركة إعادة إنتاجه.
ثم بدأ التخبط في سوق الدواء.
قيل أن القرار يستثني أدوية السرطان ومشتقات الدم، ثم تم نفي أن القرار يستثني أدوية السرطان ومشتقات الدم. ثم ظهرت مشكلة في التطبيق: هل القرار يسري على العبوة أم الشريط؟ هناك عبوات بها شريطين وعبوات بها ثلاثة، فعلى أي أساس يتم حساب الزيادة؟
ثم تم الاتفاق على أن يتم زيادة السعر على وحدة التسعير، بمعنى أنه إذا كان الدواء مسعرا بالشريط تتم الزيادة على الشريط، وإذا كان مسعرا بالعبوة تتم الزيادة على العبوة. هنا ظهرت مشكلة أخرى: هناك أدوية مسعرة بالأمبولة الواحدة وأدوية بالكيس الواحد! مثال: سعر كيس البروفين جنيه وربع. إذا طبقنا الزيادة على الكيس صار سعره ثلاثة جنيهات وربع (تذكر أن الحد الأدنى للزيادة جنيهان)، وهذا يؤدي إلى رفع سعر العلبة من 25 إلى 60 جنيها! قس على هذا العديد من الأمثلة الأخرى.
ارتفعت الأصوات بالاعتراض على هذه العشوائية فاتهم الوزير الصيدليات بالتلاعب بالأسعار (بينما لم يصدر هو أي أسعار محددة من الأساس)، وأخذ يتوعد بإرسال حملات التفتيش المصحوبة بقوات من مباحث التموين لضبط الأسواق! وبالفعل انطلقت حملات التفتيش على الصيدليات لمراقبة أسعار الأدوية التي لم يعد لها سعر، حتى أن فرع نقابة الصيادلة بالقليوبية ناشد لوقف هذه الحملات لحين تحديد سعر "محدد" لكل دواء! وأخذت وسائل الإعلام في الهجوم على الصيادلة، وانطلقت بعض الجرائد في نشر موضوعات رنانة مليئة بالكلام الفخم الفارغ، مثل الوفد التي نشرت أن "أباطرة الدواء قاموا بتحريك أسعار مئات الأصناف  في تحد سافر للحكومة والرقابة" ناسية أن من يحرك أسعار الدواء هو الحكومة نفسها!
بعد عدة أيام من التخبط أصدر الوزير قرارا بأن الحد الأعلى للزيادة على العبوة هو 6 جنيهات، وهكذا عادت الشركات والصيدليات إلى إعادة التسعير.
ثم بدأ الحديث عن أن زيادة الأدوية لا يجب تطبيقها إلا على الأدوية التي يقل سعرها عن 30 جنيهاوهذا يعني أن العبوات ذات سعر 30 جنيها لا تخضع لهذه التسعيرة، وكانت كل الشركات والصيدليات قد حركت أسعارها إلى 36 جنيها!
واليوم يهدد الوزير بأنه سيلغي قرار زيادة الأسعار ويعيد الأسعار إلى ما كانت عليه إذا لم تقم الشركات بتوفير الأدوية الناقصة في غضون ثلاثة أشهر!
لا يبدو أن الوزير يعرف ماذا يفعل على الإطلاق! وزير لا يدرس ولا يفكر ولا يحسب قبل أن يقرر. لعل أفضل قرار يمكن أن يتخذه هذا الوزير غير العلمي الذي يرأس وزارة علمية هو أن يتنحى، مع كامل الإشفاق على الوزير التالي الذي سيكون عليه علاج كل هذه العشوائية وكل هذا التخبط.

التعليقات