لن أعيش في ديون أبي!

لن أعيش في ديون أبي!

في يونيو 2011، حدث في مصر شيء مدهش جدا.
كان هذا بُعيْد أشهر قليلة من ثورة 25 يناير، وكان وزير المالية وقتذاك سمير رضوان قد أعلن أن مصر ستقترض مبلغا من صندوق النقد الدولي يصل إلى ثلاثة مليارات دولار، لسد العجز في الموازنة وتسيير دولاب العمل الحكومي.
فور نشر الخبر، انطلقت اعتراضات شعبية عديدة على هذا القرار! قال الناس أننا يجب أن نتوقف عن الاقتراض فورا لأن ديوننا كثيرة بما يكفي، وأننا يجب ألا نترك تركة كبيرة هكذا من الديون للأجيال القادمة. ثم كان انصاعت الحكومة وأوقفت إجراءات الحصول على القرض!
كانت أحداث يناير العظيمة لازالت ماثلة في الأذهان، وقد صار لأفراد الشعب بمختلف اتجاهاتهم صوتا مسموعا. كان هذا عالما يمكن أن يتدخل فيه الناس في القرارات الاقتصادية التي تمس بلادهم، يُبدون آراءهم ويتم الأخذ بهذه الآراء! كان هذا شيئا يحدث للمرة الأولى في تاريخ البلاد!
تكرر نفس هذا الأمر في عدد آخر من الحوادث، منها الاعتراض على تولي أشخاص بعينهم بعض المناصب الهامة، والضغط من أجل محاكمة مسئولين سابقين عُرف عنهم الفساد، وغيرها من الوقائع، وكان يتم الاستجابة إلى هذه المطالب.
في تلك الأشهر الأولى، كان يبدو أن قوة الشعب هي قوة بلا حدود، حتى أن الناس في مارس 2011 اقتحموا مقار أمن الدولة للحفاظ على مستنداتها التي كان دخانها يتصاعد بشكل متزامن في كل مكان، محطمين تراثا أسطوريا من الخوف والقهر.
لكن انظر الآن أين صرنا؟
في يونيو 2015 وافقت الحكومة على قرض من البنك الدولي بقيمة 500 مليون دولار. في يوليو 2015 نشر خبر أن الحكومة تتفاوض مع البنك الدولي من أجل قرض بمليار دولار يُنفق على مشروعات الصرف الصحي. في نهاية 2015 وافق البنك الدولي على قرض آخر بقيمة 3 مليار دولار، كما وافق بنك التنمية الأفريقي على إقراض مصر 1.5 مليار دولار. قرض بمائة مليون يورو لشراء قطارات لمترو الأنفاق. قرض آخر بـ 1.5 مليار يورو من فرنسا لمشروعات المترو. قرض من الصين لتطوير أرض المعارض، والبنك المركزي يتفاوض مع الصين في إبريل 2016 من أجل قرض آخر بمليار دولار. قروض عديدة من صندوق التنمية الكويتي وصندوق خليفة الإماراتي والصندوق السعودي للتنمية وعشرات الجهات الأخرى. لا تنس أيضا أن الحكومة اقترضت من الشعب 60 مليار جنيه بفائدة باهظة من أجل مشروع تفريعة قناة السويس.
في مارس 2015 وصل الدين العام (الداخلي والخارجي) إلى رقم تاريخي هو 2 تريليون جنيه، وقد زادت الديون بمقدار 200 مليار جنيه خلال التسعة أشهر الأولى من العام المالي 2014/2015. تتوقع الحكومة في موازنتها العامة أن يصل الدين العام في نهاية السنة المالية (2015/2016) إلى 2.6 تريليون جنيه! ثم لم تنته السنة المالية بعد وقد أعلن وزير المالية أن الدين العام سيصل إلى 2.9 تريليون جنيه! أي أنهم لازالوا مستمرين في الاقتراض وبعنف، الأمر الذي يجعلنا قريبين جدا من خطر الإفلاس.
كان الدين العام قد وصل في نهاية 2010، الوقت الذي أمر فيه الشعب بإيقاف الاقتراض، إلى 1.18 تريليون جنيه، وهي التركة التي تركها لنا النظام السابق. استطاع الأمر الشعبي الثوري أن يحد من الاقتراض إلى حد كبير، فوصل الدين العام في ديسمبر 2011 إلى 1.33 تريليون جنيه، ثم بدأ صوت الثورة يخفت، وبدأت كل شيء يعود كما كان، حتى أخبرتنا الحكومة أنها تتوقع وصول الدين العام إلى 2.9 تريليون جنيه، وهو ما يقترب من ثلاثة أضعاف حجم الدين عندما بدأت الثورة.
لكن اليوم لا أحد يعترض ولا أحد يُسمع له صوتا.
لقد عدنا إلى حيث بدأنا، بل وأسوأ بكثير.

التعليقات