تأملات في «الزهر» وأحمد شيبة وفيكتور هوجو

تأملات في «الزهر» وأحمد شيبة وفيكتور هوجو

أسابيع مرت وأغنية "آه لو لعبت يا زهر" هي حديث المدينة في الليل والنهار، ستستمع إليها في كل ملهى ليلي، وفي كل شارع في مصر، وكل سيارات الأجرة، و"التكاتك"، الأغنية هي بطلة كل النقاشات على السوشيال ميديا، وعنوان رئيسي في صفحات "الفن".

في كل مكان أذهب إليه تتسلل إلى إذني "آه لو لعبت يازهر" حتى عندما أذهب للنوم وقبل أن أبدأ العمل أجدني أدندن "آه لو لعبت يا زهر واتبدلت الأحوال"،  مع أمنياتي بأن يلعب الزهر لكن دون جدوى.

 

حتى قفز السؤال فجأة إلى مخيلتي صباح اليوم  "لماذا لا يلعب الزهر؟"
وتخيلت الحظ الذي صادف أحمد شيبة بعد أن اشتهر بسبب الأغنية التي "جاءت على جراح السواد الأعظم من المصريين"
وجلست أتأمل المطرب الشعبي البسيط مع الشاعر العبقري كاتب أغنية "الزهر" وهما يعيدان صياغة رواية "البؤساء" العالمية لتصبح أغنية شعبية.
وتساءلت هل يكون أحمد شيبة الذي يبدو أنه رجلا  فقيرا من محدودي الدخل يعرف فيكتور هوجو؟

على كل حال خرجت من تلك التأملات بأن شيبة تمنى أن يكون ثريا لكنه لن يتخلى عن الفقراء تماما مثلما فعل بطل رواية البؤساء الذي دفع ثمن فقر وضعف من حوله، وحاولت أن أضع لكل جملة قالها شيبة شرحها من تفاصيل رواية البؤساء.

 

وكانت البداية في مقطع "ملعون أبوك يا فقر يا حاوجني للأندال" والذي كشف لي حياة رجل بائس هو البطل الرئيسي في رواية "البؤساء" قضى تسعة عشر عاما في السجن بسبب سرقة الخبز حتى يطعم اخته وأطفالها،  لكن ولأن الفقر لا يرحم فإن فرص التوبة تكون صعبة بالنسبة لإنسان  جائع وحافي القدمين، لا يجد مأوى وستكون النتيجة عودته للسرقة بعد اطلاق سراحه ليعيش مطاردا.
 
"لعب الزهر" مرة واحدة فقط مع بطل رواية "البؤساء" العظيمة التي كتبها فيكتور هوجو والذي يدعى جان فالجان، لكن تلك اللعبة كانت محفوفة بالمخاطر، فحتى يتمكن من بدء حياة نظيفة اضطر إلى تغيير اسمه ليعيش باسم مستعار "مادلين" وأصبح ثريا ويملك مصنعا كبيرا وهي نفس فكرة أغنية "الزهر" لكن يبدو أن هذا الزهر لعب أكثر من اللازم وأصبح فالجان عمدة للمدينة أيضا.
 
المفارقة هنا أن فالجان لم يكن "حرامي" ولم يكن مجرما بطبيعته، فهو طوال  أحداث الرواية يحاول التوبة ويعاني من تأنيب الضمير، بل ويساعد المستضعفين، مثلما تمنى أحمد شيبة تماما أن تأتي له "سكة الأموال" حتى يستطيع أن يساعد كل من يقع في محنة بما فيهم الأشخاص الذين تسببوا في ظلمه"
 
مع الاستمرار في سماع الأغنية استوقفتني عبارة "الحوجة مُرة ويا مابهدلت أبطال" في إشارة لما يقابل تلك العبارة في "البؤساء" فالبطل يضحي بنفسه من أجل الآخرين، ويقف لمساعدة عاملة فقيرة في مصنعه تدعا "فانتين" اضطرت لأن تبيع شعرها وأسنانها بعدما عجزت عن بيع جسدها،  بل ويتبنى ابنتها الغير شرعية، ويعترف بالسرقة لانقاذ رجل جائع  التقط من الطريق العام غصنا فيه بقايا فاكهة. وكان هذا الرجل كثير الشبه بجان فالجان فوجهت له تهمة السرقة على أنه هو فالجان مع ربطها بتهمة سرقة سابقة لنقود طفل ظناً بأن جان فالجان قام بها بعد خروجه من السجن بأيام.

 

"بس خلاص أنا نفسي اتسدت" عبارة أخرى في الأغنية كان شيبة ينطق بها تصورت في لحظة ما أن هذا الصدق النابع من صوته ربما يكون حقيقيا لقد جسد شيبة المأساة بشكل ثلاثي الأبعاد، وربما يكون المطرب الصاعد هو نفسه قد مر بمثل تلك المواقف الأليمة، تماما مثل جان فالجان، الذي اضطر في رواية "البؤساء" إلى تسليم نفسه للمحكمة مما عرضه لعقوبة السجن من جديد، ولكنه وخلال نقله من مكان إلى آخر مع مجموعة من المحكومين استطاع الفرار والاختفاء من جديد، وقضى بقية حياته طريدا بعد أن تبنى ابنة فانتين بعد وفاتها وكرس حياته لإسعادها.
 
الفكرة نفسها في الرواية تتشابه كثيرا مع أغنية شعبية يراها البعض "لا ترقى للفن" بينما لامست تلك الأغنية مشاعر قطاع كبير من الناس في مصر ونسبة كبيرة من الفقراء ومحدودي الدخل ينتظرون ساعة يشاء فيها القدر أن ينتشلهم من حياة الفقر والجوع والعوز، أمنية متاحة من حق الجميع أن يحلم بها لكن ما أعجبني هو أن يقترن الحلم بمساعدة الأخرين وإنقاذ الغير قادرين، هدف جميل ونبيل تشابه في عملين فنيين يفصل بينهما أكثر من 153 عاما، أحدهما رواية عظيمة، والأخرى أغنية شعبية طريفة لكنها عميقة جدا.
التعليقات