حبة أسبرينة وكوب شاى

حبة أسبرينة وكوب شاى

 

جلست الأستاذة أخيرا بعد ساعة كاملة من الشرح المتواصل. أراحت ظهرها على الكرسى وأخذت ترقب الباب بكسل والطلاب يخرجون من الغرفة فى إستراحة قصيرة ويعودون لإستكمال المحاضرة. نظرت إلى الممر خارج الباب وتنامت الى انفها روائح الزهور الجميلة، تلك التى تعطر بها العاملات ممرات الجامعة وهن يلمعن الأرض الرخامية عدة مرات فى اليوم. بلعت ما بقى من ريقها الجاف فى إنتظار الدادة وهى تحمل كوب الشاى الساخن فى ميعاده المظبوط.يأتى بعد التعب وشرخ الصوت مثل  فارس مخلص والدخان يتصاعد منه وينتشر من فوقه كسحر متجدد.كان بالغرفة بعض من الطلاب الذين لايزالون ياخذون أشياءً عدة من حقائبهم أو يكملون كتابة الملحوظات. خرجوا جميعا إلا سها، التى كانت تجرجر قدميها متثاقلة وكانها ترغم نفسها على الخروج بينما ربما ما تريده هو التمدد على الأرض.
" ما بك يا سها؟"
رفعت الفتاة رأسها المطاطئ و نظرت الى معلمتها نظرة سريعة وقالت "مجهدة بعض الشئ. شكرا دكتورة" إنتبهت الأستاذة أن وجه البنت كان منتفخاً بعض الشئ وكانها لم تنال حظاً كافياً من النوم منذ فترة. لكن الأهم هو نظرة الحزن العميقة التى خانتها و تسللت من عينيها.بدت مثل وداع سرمدى لكل ما حولها. إعتدلت الإستاذة وهى ترقب سها محاولةً الخروج بينما الدادة تأتى بكوب الشاى الموعود.
وهى ترتشف المشروب الساخن وتغمض عينيها المتعبتين، إمتلأ الفراغ ما بين العين والجفن المغلق بصورة سها الحزينة. وتسارعت صورها السابقة من ادراج الذاكرة الخفية. هدوئها المفرط وادبها الجم أهم ما يميزانها،ثم تقلٌب روحها الذى كان يظهرعلى صفحة وجهها  الصموت. لم تكن هذه هى المرة الأولى التى تراها متعبة الى هذا الحد، ربما كانت  الفتاة كذلك قبلاً عدة مرات ولم تفكر أن تسألها.بينما ما علق بذهن الأستاذة بالفعل يوم أن بدا وجهها ضاحكاً منيرا وهى ترتدى فستان من الزهور الملونة. كانت بهجة للعيون فى هذا اليوم . ظلت الأستاذة ترقب الورد الأنيق فى كنار الفستان وهى تحتسى الشاى فى وقت الإستاحة بينما كانت سها تتكلم مع زميلتها بصوت خافت وذلك البهاء الأخاذ الذى لا يخطئه قلب بادٍ على وجهها. إذن فهو الحب! ينير الوجه ويزهر الفساتين أو يربط أكياس الرمل حول القدمين ويطفئ نور العين وهى مفتوحة تبصر. يا وجع القلب!
عندما بدأت المحاضرة من جديد كان بقلب الأستاذة بعض النغز الخفيف المألوف. إستدارت لتكتب بضع نقاط على بياض السبورة المعدنية الملساء، لا تلقى للنغز بالاً. حمام ساخن وكوب من الشاى واسبرينة  وتتلحف جيداً فى فراشها حين تعود وتصبح على ما يرام فى الغد .تكتب
.1) العوامل التى شكلت أدب القرن العشرين
.2) الحرب العالمية الأولى.
.3)...
إبتسمت وهى ترى جدتها على الفراش المقابل لفراشها ترقبها بإمعان وتدرك أن ثمة ما يوجع قلبها الفتّى. تسألها من تحت نظارة القراءة.إذا ما أجابت، تنزل النظارة من على الوجه وينفتح الحديث وتنفرج مساحة على الفراش تكفيهما تحت اللحاف وينعقد الكلام ولا ينفض. أما إذا أبت الكلام، كانت الجدة تعيد نظارة القراءة على عينيها وتمسك بالمصحف وهى تقول بثقة العارفين " إلهام، لايوجد  فى الحياة ما يستحق، وجع القلب له شئ واحد. حمام ساخن وأسبرينة وكوب شاى وتلتحفين جيداً ويطلع النهار ولا كأن القلب قد أوجعك بالأمس" وقد تمتد يد الجدة بشنطة أدويتها الزرقاء التى تعلم أن حفيدتها  تحفظ ما بها عن ظهر قلب فى حركة تشجيعية للفتاة كى تسحب شريط الأسبرين الأخضر.
4
) إنهيار المسيحية كقوة روحية...و..
لفت الأستاذة بسرعة وواجهت الطلاب وبها لهفة من أتى بإختراع غير مسبوق ونظرت الى سٌها وقالت :" تبدين متعبة هذه الأيام يا سها!" تناثرت الضحكات المكتومة الخبيثة عبر الغرفة من يمين ويسار.تجاهلتها الأستاذة وهى تشعر بها سياطاً على ظهر الفتاة المحنى. "حبيبتى، كانت جدتى تقول لى لايوجد فى الحياة ما يستحق.وجع القلب له علاج واحد، حمام ساخن وأسبرينة وكوب من الشاى..و.." هنا علت الضحكات فى الغرفة كلها " يا دكتورة الأسبرين موضة قديمة جدا. ومن يأخذ البانادول والفولتارين والبانجو والترامادول  وهئ هئ هئ" شاركتهم الأستاذة الضحك..بالفعل كان وقع كلمة الأسبرينة غريباً فى  ذلك النهار الربيعى فى غرفة المحاضرات 412 أ. نظرت الى سها لتجدها تحاول الضحك معهم على الأستاذة وعلى نفسها. فى الوقت نفسه كان بعينيها لزملائها عتاب وللأستاذة سؤال.إلتقت عيناهما وإنولد سؤال وتلاه سؤال وكأن الأسئلة الحائرة التى تتوالى يدها فى يد بعضها حبل طويل شفاف يربطهما ثم يصبح تياراً مرعباً من الكهرباء فى سلك عارٍ يبعد الطلاب عن مجاله والغرفة تتباهت وتتباعد والأصوات تذوب فى بحر واسع من الفراغ حولهما ولا يبقى سوى الأسئلة.
للأسابيع التالية راقبت الأستاذة سها وهى تقاوم وحشاً خفياً  يبدو كمن يصارعها كل محاضرة وينهك قواها وتظل تحاول الإنصات والتركيز ثم الخروج وقت الإستراحة واحيانا تجاهد لتفتح فمها وتقطم قليلاً من شطيرة وتظل تلوك وتلوك كأنما اللقمة لا تنتهى وتخشى الأستاذة أن الفتاة على وشك أن تفرغ ما فى فمها فى أى لحظة وتتنفس الصعداء عندما تراها تدفع اللقمة الى حلقها بصعوبة وتشرب رشفة ماء وتبلع.
فى نومها رأت الأستاذة جولييت الشكسبيرية راقدةً على قبرها الحجرى بفستان الزفاف.حين إقتربت منها وجدت لها وجه سها المنقبض، تتلوى وتتأوه وكأن السطح الحجرى من الشوك.حاولت ان تحملها للخارج  لكنها لم تستطع.كان الجسد النحيل ينفرط فى كل مرة تحمله فوق المصطبة الحجرية داخل المقبرة القديمة مثل مسبحة جدتها التى إنفرطت منها يوماً بعيداً تحت الفراش وظلت تحاول لملمة الحبات التى تسارعت تجرى فى كل مكان.ظلت تحاول ان تحمل جولييت خارج أسوار الموت وكأنها تتمسك ببقايا حياة فى صدرٍ ظنوه ميتاً وتنظر لتجد أن ما بيدها رمال.مرات ومرات  والجسد ينفرط ويرفض الثبات حتى إستيقظت والعرق يغطى وجهها وأسياخ من الألم  تجرى فى ذراعيها. " حمام ساخن وأسبرينة وكوب من الشاى! كيف طبعت هذاعلى قلبى يا جدتى؟ أتعلمين كم من الحبات إبتلعت؟"
خرجت الأستاذة من حمامها الساخن.مدت يدها لحقيبة الأدوية وسحبت بإعتيادية يومية دواء قرحة المعدة.

 

التعليقات