الصيد في الماء العكر على حساب خدش الحياء

الصيد في الماء العكر على حساب خدش الحياء

يبدو أن أصحاب القلم والمثقفين في مصر الآن قد دخلوا، دون أن يشعروا، إلى منعطفات صعبة تم حصارهم فيها بين سندان القانون من جهة وبين مطرقة أصحاب الذقون المستعارة ومدعي الحكمة والشرف من جهة أخرى.

قبل يومين فوجئنا بالزميل الروائي أحمد ناجي وقد حُكم عليه بالسجن لعامين وتم ترحيله بالفعل إلى سجن طرة، لأن كتابته خدشت حياء المصريين بحسب المحكمة، ومن قبله حُكم على الكاتبة فاطمة ناعوت بالسجن ثلاث سنوات لإدانتها بازدراء الأديان، إضافة إلى الحكم بالسجن عام على الباحث إسلام البحيري بتهمة ازدراء الأديان أيضًا.

ومع أن بعضنا قد يختلف أو يتفق حول مضمون وأيديولوجية كاتب أثار الجدل أحيانًا لكننا في دولة من المفترض أنها منحتنا مكتسبات عريضة تتيح لنا المناقشة والتفنيد على مستوى الفكر دون المساس بالحرية أو الحجر على الآراء وتكميم الأفواه، وأيضًا لا يمكن أن نتخيل توجيهنا للكتابة كالتلاميذ في حصص الإنشاء لموضوعات بعينها دون أخرى ولن نقبل أن يملي علينا  أحد الأفكار ويدس السم في العسل لأغراض "براجماتية" كما يفعل البعض.

في الوقت الذي يستمر فيه الجدل حول الحكم الذي صدر في حق الروائي أحمد ناجي بالسجن بسبب نص من روايته "استخدام الحياة" في صحيفة أخبار الأدب الثقافية، انتفض المثقفين، ولم تغمض لهم عين من أجل الدفاع عن قضية ناجي، غير منتبهين لبعض لصوص الظلام والقراصنة والمتاجرين باسم الأدب والثقافة والدين أيضًا والذين يبحثون على موطئ قدم بين المثقفين بأي شكل من الأشكال، دون أن تعنيهم الثقافة  بقدر السبوبة التي يتربحون منها.

منذ ساعات قليلة تفتق ذهن أحد الناشرين الصغار في مصر عن فكرة شريرة مستغلًا الهجوم على أحمد ناجي، ليكسب على حسابه نقاط باسم الشرف، قام هذا الناشر بدعوة المنقبات للكتابة في كتاب جماعي، بحيث تكتب كل فتاة وسيدة منقبة حكايتها مع أول يوم نقاب، وحتى الآن لا نعرف النية خلف هذا الكتاب هل ستقبل مثلا قصص المنقبات اللواتي ارتدين النقاب بالإكراه، أم ستكون جميعها قصص في إطار الدعوة والدين وإن كنت شخصيًا أختلف مع الغرض الأخير، وضد النقاب وطمس الهوية، إضافة إلى أن الفكرة تكرّس للفئوية والعنصرية الدينية وموجهة بشكل كبير.

لم يتبرع بمهاجمة هذا الناشر سوى قلة ممن يدركون فداحة ما يفعله، هؤلاء لا تروق لهم الفكرة، بينما اعتبر البعض أن الهجوم على فكرة تبدو حسنة في اتجاه "الفضيلة" هو الشر بعينه وأن الأعمال بالنيات وعلينا أن لا نفترض سوء النية بالناشر الذي يدعو للفضيلة وسط أدباء يخدشون الحياء.

يطل هنا سؤال يطرح نفسه.. هل ستكون الدعوة لنشر كتاب جماعي عن "النقاب" مجانية في سبيل الله؟ أم سيتلقى الناشر مبلغ مادي كما يفعل دائمًا مع كل كتاب جماعي يصدره، نفترض مثلًا أنه سيحصل مقابل كل قصة على مبلغ 300 جنيه والكتاب يضم في المتوسط  50 قصة لـ50 كاتبة كم سيكون ربح الناشر؟

لن أتحدث الآن كثيرًا في تفاصيل سبقني في الخوض فيها ومناقشتها آخرين، لكن سأطرح سؤالي، أين هي الدولة التي وقفت وتصدت لروائي صنع فنًا اختلف حوله الجمهور؟ أين هي من لصوص وقراصنة الثقافة، وأين اتحاد الناشرين؟ لماذا لا يحاسب الاتحاد هؤلاء السماسرة، ولماذا يغرقوننا بكم من الكتب التافهة والرخيصة ولا يقف لهم أحد؟ ما ذنب هؤلاء الذين أقنعتهم أيها الناشر بأنهم جهابذة في الكتابة؟ وما ذنب الأجيال الجديدة التي تشتري كتبك المتعفنة المليئة بالهراء و"الخراء" معًا؟

التعليقات