سباحة في بحر النغم

سباحة في بحر النغم

تجربة أدبية جديدة من نوعها، تعتمد على ترجمة الموسيقى كما تمس وجدان الكاتب

 

الرحلة

 فتنتنى المقطوعة الموسيقية "الرحلة" للموسيقى مارك إلياهو، مزيج من الشرق المشجون والغربة الغربية،آلة وترية تٌدعى الكامانشا القوقازية  تشبه الربابة الصعيدية فى كل شيء، ربما أكبر بعض الشيء ، لكنها تٌحدث نفس الشجن، ومعها البيانو الكلاسيكى.

يبدأ البيانو بنغمات مترقبة وكأنه الحبيب المنتظر ملهوفاً، لايعلم متى تأتى الحبيبة وماذا تعطيه، تدخل الكامانشا وكأنها فتاة صعيدية بعود مثل الوتر المشدود فى رشاقته، أومثل شعاع شمس العصارى فى رقته، تتشابك الأيدى فى حنان كما تتشابك نغمات البيانو والكامانشا.

هل يحتضنها بخفة؟ يبدو لى الأمر هكذا وإلا ماذا يفسر التفاف البيانو حول الكامانشا بنغمة ثابتة متكررة تعلو وتنخفض ولاتزال تترقب وكأن الفتى ينتظر رد فعل الفتاة على الاقتراب الغير مسموح. لا تعترض على ضمة الشوق البريئة، يعتريها الشجن بعدها مثل هبات هواء ربيعية دافئة فى غير معادها، تدفن أنفها فى صدره وتستنشق عبيره والفتى يثبت أمام دفئها الجياش ويقاوم، ولا يفهم كيف يقاوم. ينظر ليديه ولا يصدق أنهما مخدرتان ،فقط يضمها أقرب وهو يشعر بأنفاسها العطرة تقترب من ذقنه وأنفه بينما تدفن وجهها فى رقبته، يخفض وجهه ليلمس بشفتيه جبينها وعينيها وبداية أنفها وتحرك هى وجهها لأسفل هرباً منه، يشعر بمحاولتها للهروب فيحكم يديه على ظهرها ويكتفى منها بالقرب وبعبير الأنفاس.

وفى الضمة كل التناغم، تتوافق نغمات البيانو والكامنشا وكأن انفاسهما تخرج معاً بدقة عجيبة، وكأنها لحظة بلا صوت، لحظة بداية الكون، حين تعرف آدم على ضلعه المخلوق حياً أمامه ووجد فى قلبه حنيناً له لايفهمه وضم حواء فى أول ضمة الى صدره حيث تنتمى. تتنوع نغمات البيانو برقة ويديه ترتشفان حنو ذراعيها بشوق. وترد الكامنشا التحية بتنوع رصين على نغمتها الأصلية وكأن الفتاة تبادله اللمسة المتحفظة. لكن دفء الحنان وطول الضمة يأخذهما لموجة عاتية من الشوق.تصرخ الكامنشا فى وله والبيانو يحتضن شوقها وحنينها فى ثبات، تماماً مثلما تٌسكر النشوى الفتاة وشفتيها فى حِجر قلب فتاها حيث ينبض فى صدره، وحين تتلامس الشفاه خطفاً مثل شهاب يقطع السموات ويحترق، تمرغ وجهها على صدره وأنفاسها تذوب حزناً وفرحاً، أعرف هذا من أنين الكامنشا وتوتر البيانو رغم ثباته وكلاهما يعزف نفس النغمة من مقام مختلف. فى مياة أعماقها ترى نفسها حورية فى بحيرته، تتلوى فى الماء وتنثر قطراته الذهبية فى الهواء. فى مرآة أعماقه يصير فرساً أشهب يصهل ويعدوٍويمتنع عن قوة لاضعفاً.

 تمد يدها اليسرى لتفك أسر جذعها من بين يديه، وما أن تلمس يده حتى تجد أصابعها تتشابك معها بدلاً من أن تفتحها بل وتحكم وثاق جسدها بيدها بدلاً من أن تفك أسره ولا يتبقى لها بعد أن تكتشف عناد جسدها ذاته سوى أن تهرب بوجهها الى صدره من جديد فلا يصل لشفتيها ثانية. يدرك قلة حيلتها ويستشعر حيرتها بين البقاء والهرب، فالعجز عجزه والحيرة حيرته. يفلتها شيئاً فشيئاً ويبدو الأمروكأنها قد حررت نفسها بينما هو من أطلقها..وهى تعى هذا وتعلمه.

يهدأ كل شيء والنغمات تبطئ من جديد لتعلن انتصار الحكمة على العاطفة. لكن طعم الضمة الشجية يظل على أطراف شفاههما حتى والموسيقى تنهى آخر النغمات وتعلن انتهاء الرحلة.

 

 

 

التعليقات