ومن الورد ما قتل!

ومن الورد ما قتل!
أدهشتنى للغاية صور ورود الشرطة فى الميادين يوم 25 يناير، رأيت فيها استهانة بالغة بمشاعر كلا من الشرطة والشعب، وتسطيحاً مخلاً بحقيقة الأزمة بين الطرفين، تماماً مثل الزوجين الذى يقطع كلا منهما الآخر ضرباً ثم يحتفلان فى عيد الحب بدبدوب أحمر دون تصفية الخلاف!
دعونى أحاول أن أستوضح المسألة لنفسى أولا قبلكم فى صورة أسئلة. هل يختلف معى أحد أن هناك إلتهاب قديم فى علاقة الشرطة بالمواطن؟ هل يختلف معى أحد أن هناك الكثيرون من رجال الشرطة هم رموز للشرف والتضحية والواجب عن حق؟ هل يختلف معى أحد أن الكثيرون من الشباب دخلوا كلية الشرطة وهم يسعون وراء المنصب والجاه ولقب "البيه" و"الباشا" والهيلمان المحيط باللقب؟  حتى وإن اكتشفوا مأساة الواجب الثقيل فيما بعد وخطورة المهنة؟ وأن المواطنون العاديون ينبهرون بهذا حتى لو كرهوه وقد يختالون أن فى أسرهم قريب أو صديق "رٌتبة"؟ وإن جاء البنت عريس ظابط، هل يختلف معى أحد أنه يصبح مثار ترحيب وفخر؟ لم؟ هل لتفوقه العلمى مثلا؟ نعلم جميعاً أن الكلية لاتعتمد على التفوق بل الكفاءة العضلية والجسمانية  ثم المحسوبية فى كثير من الأحيان؟ ويصبح اللقب المعيار الأول قبل الشخص فى بعض الزيجات. إذن فالشعب العادى نفسه ينظر للشرطة نظرة من مكانة أقل ويتطلع للتقرب منهم بنفس نظرة سكينة فى مسرحية ريا وسكينة حين غنت " وناسبنا الحكومة!"
 هل يختلف معى أحد أن هناك احساس خفى بالتميز والقوة والسلطة يسرى فى أفراد الشرطة أنفسهم؟ احساس يظهر فى نبرات أصواتهم وتعاملاتهم مع الجميع؟ هل يختلف معى أحد أن أقسام الشرطة أماكن نتمنى لو لا ندخلها أبداً؟ وأن التحرى أو القبض على أى منا والتحقيق معه، فقط التحقيق معه هو تجربة ربما لايمكن الشفاء منها لأننا نعلم ممن مروا بها أنها تجربة قاسية ومهينة للآدمية؟ وليس الأمر فقط فى تعاملات الشرطة القاسية مع المشتبه فيهم بل فى الأماكن نفسها وطبيعة تقسيمها ومدى ملائمتها للانسانية مع أن ميزانية الداخلية ميزانية ضخمة للغاية؟
هل يختلف معى أحد أن انجاز أى مصلحة فى مكان تديره الشرطة مثل المرور أو الجوازات هو تجربة أخرى مريرة؟  وهذا من الروتين والمرار الذى لابد وأن يكون كل منا قد مر به؟ اللهم إلا لو كان من المحظوظين الذين لهم "ظهر" فى أحد هذه الأماكن، ولا ألوم من يلجأ للظهر والواسطة  فالأوضاع المقلوبة تفرض على الناس حيوات موازية وتصرفات تليق بها.
هل ينكر أحد ان ما قام به الممثل الشاب أحمد مالك من نفخ واقيات ذكرية واهدائها للشرطة فى عيدها هو تصرف غير مقبول واستهانة بعقول ومشاعر الناس؟ وهل يختلف معى أحد أن اهداء الشرطة المواطنين وردة حمراء بيد وتوجيه السلاح لهم باليد الأخرى كما جاء فى الصورة التى أصبحت حديث مواقع التواصل الاجتماعى هو تصرف غير مقبول واستهانة بعقول ومشاعر الناس؟ هذا التصرف يوازى عندى ذاك، لأن المشكلة بين الشرطى والمواطن أعمق واخطر وتعتمد فى حلها على الأمة كلها وعلى ايجاد وسائل حقيقية للحل. ولأن يد الشرطى تبدو أقوى بسبب وجود السلاح والقدرة الحقيقية على البطش. 
كمواطنة لا أريد ورداً من الشرطة فى عيدها الذى هو عيد ثورة كانت ثورة ناصعة عظيمة حتى تناثرت فى كل اتجاه. أريد كرامتى فى كل مكان تديره الشرطة، أريد العدل لو كنت مشتبهة به، أريد الجماية التى أقسم عليها الطلاب والظباط حين امتهنوا هذه المهنة. ولو كنت شرطية أريد نفس تلك الحقوق لا اكثر ولا أقل لأننى لست أقل من المواطن، أنا مواطن، ولست اكثر من المواطن بأى حال.
أكاد أشعر أن الشعب بأكمله فى حاجة لإعادة تأهيل، تربية جديدة، نظرة مختلفة، لا أفهم كيف نبدأها ولكن لابد من بدئها على مستوى الأمة كلها وبطرق علمية تليق بخطورة المشكلة وليس بأسلوب الوردة ولا الواقى الذكرى.
عزيزى الشرطى: أعطنى آدميتى وخذ آدميتك!
التعليقات