This is Egypt يا عبلة!

This is Egypt يا عبلة!
1)
انتشر الفيديو الذي تم تصويره للترويج للأماكن السياحية في مصر والمعروف باسم This is Egypt على موقع يوتيوب ومواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، حيث أثار جدلًا بين جمهور الشباب المصري مثله مثل أي حدث حقيقي أو افتراضي، مهم أو تافه، يحدث على أرض المحروسة.. وهو ما يحدث في أنحاء العالم المختلفة بصراحة شديدة أيضًا منذ ظهور "فيس بوك" كي لا نتحيز ضد أنفسنا وننعت الشباب المصري بالتفاهة وحب "الزيطة"..
المهم أن البعض قد سارع وهلل للفيديو ومحتواه واحتياج المجتمع لمثل هذه النظرة الإيجابية و"ليه مش شايفين غير الوحِش والسيئ والقبيح في بلدكم يا مصريين؟".. إلخ إلخ.. وأعقب ذلك موجة من "البوستات" المليئة بصور رائعة لشوارع مصر خاصة مصر الفاطمية والقاهرة القديمة وقصائد غزل للصور، وهي جميلة جدًا فعلًا لا أنكر ذلك، بل أتعجب فقط كيف تم التقاط هذه الصور بدون إنسان واحد يسير في تلك الشوارع التي تلمع من النظافة، فحتى لو كان من قام بالتصوير مشكورًا قد اختار الصباح الباكر لالتقاط الصور لم تكن أبداً لتظهر بهذا الشكل، فمصر وأهلها لا ينامون ولا ليل ولا نهار! أم أن الأمر كله ربما ماهو إلا مجرد "فوتوشوب"؟
2)
وعلى ذكر "الفوتوشوب" الذي اجتاح حياتنا في كل شيء "مجتش على الصورة دي يعني"، من المهم أن نعرف أن البعض قد يرى أن استخدام هذه المؤثرات البصرية لتحسين الصورة أمر لا غبار عليه خاصة إذا كنا نخاطب السائح الأجنبي، بالتالي يجب كأي صانع إعلان أن يضيف الرتوش التي "تحلي البضاعة" في عين الزبون. ومما يريح ضميرنا في هذا المجال أن الأصل صحيح وليس به كذب، يعني مش مهم الرتوش المهم الحشو، والقالب غالب، يعني الشارع والجامع والمباني الأثرية حقيقة لم يتم تزييفها، يعني مجرد رتوش، اللي هو إيه، أنا لا أكذب ولكني أتجمل..أتجمل فقط والله..
المشكلة أن الصور بهذا الشكل تثير مشكلتين، الأولى داخلية والثانية خارجية، وطبعًا خلينا في الداخلي الأول، الكثير من المواطنين الذين يستميتون من أجل الفرحة ومن أجل "لملمة" الكرامة المبعثرة من جراء مانعيشه من تردي على جميع المستويات يجدون فرصة للتهليل دون وجه حق والغرق في النوستالجيا والهروب من جلد الذات الذي هو أقل واجب لمجتمع وصل لما وصلنا له من انحطاط في الكثير من الأمور المعروفة للجميع والتي لا داعي لذكرها الآن، وبالتالي يصبح من ينادي بتحسين الأوضاع بمثابة شخص سوداوي يصيبنا بالإحباط..أما المشكلة الخارجية فتكمن في أن الأجانب عندما يأتون للزيارة سيصابون بالصدمة والإحباط وربما لن يعاودوا الكرّة لأنه قد تم التلاعب بهم.
3)
بعد انتشار موجة الصور الجميلة عن مصر سواء حقيقية أم ملعوب فيها، سارع فريق آخر على الفيسبوك في استخدام نفس العنوان#this is egypt كهشتاج حيث قاموا بوضعه على صور تجسد السلبيات المنتشرة في المجتمع والشارع المصري عمومًا بأنواعها المختلفة، وفورًا وكالعادة تم مهاجمتهم من المعارضين محبي الإيجابية الذين يرون أن مثل هؤلاء يوزعون الطاقة السلبية في كل مكان ويسيئون لسمعة مصر إلى آخر قائمة الاتهامات.
وعلى رأس الاتهامات أن هؤلاء ناشرو الطاقة السلبية والهاشتاجات السوداوية مرفهون لا يعرفون شيئًا عن معاناة العاملين بالسياحة بسبب غياب السياح بشكل غير مسبوق عن مصر مؤخرًا.
الفكرة أن مشكلة السياحة أو مصيبتها لن تحل مطلقًا بمثل هذه الطرق الساذجة التي نضحك بها على أنفسنا قبل أن نضحك علينا الآخرين.. فإذا افترضنا أنك كإنسان مصري لك أخوات بنات في الإنسانية من جنسيات أخرى.. بأمانة شديدة جداً هل ستنصحهن بزيارة مصر الآن.. لا أتكلم عن الأمان ولا توافر السلع الغذائية للسياح ولا السيارات الليموزين لمن يملك ثمن تأجيرها.. لكنني أتحدث عن الزحام والتحرش والتلوث والمرافق المنهارة والشوارع التي لايمكن السير فيها بعد بضعة دقائق  فقط من هطول الأمطار.
4)
بالنسبة لي أنا إن حدث وعرفت أن أصدقاء أجانب قد قرروا القدوم لزيارة مصر، فلن أشوه صورة بلدي في أعينهم، بل سأقول مرحبا وألف أهلا وسهلا وسأرشدهم إلى الأماكن الجميلة في مصر ليزوروها وسأدعو الله في سري أن "يسترها معاهم".. لكن إن لم تأت المبادرة منهم فلن أبادر بدعوتهم.
لن أشجعهم للقدوم مثلما أفعل مع صديقاتي المصريات عند رغبتهم في زيارتي في يوم سيء أعرف أن منزلي فيه مكان غير آمن أو على الأقل غير مبهج بالنسبة لهم، كأن تكون المياة منقطعة والتراب يملأ أركان منزلي والكراسي كلها مخلعة والشبابيك مكسورة، لن أطردهم إذا فاجئوني بالقدوم لكنني بالطبع لن أتطوع بدعوتهم، لن أشتم في منزلي وألعنه، بل سأعترف فقط بما فيه من عيوب وطبعًا سأعمل جاهدة على إصلاحها.
أما إذا تكلمنا عن السياحة كمصدر للدخل فهل يعقل أن نبذل أموالا مثلاً من أجل حملات دعائية "مع العلم أن ذلك لم يحدث إنما هو محض افتراض" من أجل جذب مجموعة سائحين يأتون بطوعهم لكن ربما بعد التجربة لن يكررون هذه الزيارة ولا ينصحون أحد بها من هول ما يرونه؟.. ما أقصده هنا أن هذه السياحة مثلها مثل أي نشاط اقتصادي أو إنساني، هي نشاط متكرر يجب أن يظل مستمرًا حتى يمكننا أن نصفه بـ"المزدهر" وأنه قد تم تنشيطه بنجاح! فهل يمكننا إدعاء ذلك إذا ما ازدادت أعداد الأفواج التي تأتي لمصر في إحدى السنوات ثم تدهورت في العام التالي بسبب سوء الخبرة التي حصل عليها السائحين من جراء الزيارة الفعلية؟
5)
بالعودة للفيديو المبهج الذي أثار كل هذا الجدال، فقد رأيته عدة مرات واستعذت بالله من الشيطان كثيرًا ربما أستطيع وقتها أن أبتهج أو تدمع عيناي من النشوى كما حدث للكثيرين بعد مشاهدة الفيديو، لكنني في كل مرة كنت أستشيط غضبًا أكثر من المرة السابقة، فالأماكن جميلة والفيديو كله انطلاق، لكن مانسبة الحقيقة إلى الخداع في هذا الفيديو القصير؟ دعونا نتفق أن بمصر مناطق خلابة بالفعل رأيت منها الكثير وسيراها مثلي كل من يأتي للزيارة، لكن هل بها مثل هؤلاء الشباب والبنات الفرحين المبتهجين مثلما في الفيديو؟ هل هناك من ترتدي مثل هذه الثياب في الشوارع المصرية؟ هل لدى الفتاة المصرية العادية وقت وجرأة لوضع طلاء الأظافر الجميل مثل تلك الفتاة في الفيديو؟ هل النساء الريفيات أو البسيطات يرتدين هذه الثياب المزركشة الجميلة التي تنتمي للثقافة المصرية لكنها مختلفة عن الأشكال الأخرى من الثياب القاتمة الدخيلة علينا والتي نراها في الشوارع الآن؟
هل ذوق الشابات والشباب العاديين في الثياب أصلًا ذوق جميل؟ هل يرتدون الملابس المنسقة ويمشون بنظام ويعتذرون إذا ما "خبطوا" في كتف أي إنسان مسالم عن طريق الخطأ؟
هل الشارع المصري بما ومن فيه مبهج وملون وممتلأ بالطاقة الايجابية أصلاً أم أن التكشير والغل والصوت المرتفع هم السائدين؟
هل المواطن المصري المتوسط يرى السياحة خير أم أنه يراها شر مطلق بعدما امتلأ عقله وأذناه بثقافة التخويف والتكفير والتنفير من الآخر لسنوات طويلة؟ فلم يعد يرى من فكرة السياحة إلا نساء يلبسن ملابس قصيرة يدنسن البلد الطاهر ويجلبن اللعنات على هذا الشعب الملائكي؟
6)
نعرف من كتب الدراسات الاجتماعية أن الله لم يبخل على مصر بالجمال، طقس مشمس يتمناه الأوروبيون حتى في الشتاء، وتنويعة من الجبال والبحار ونهر رائع.. فماذا فعلنا نحن بهذه الهبات؟
والسؤال الأهم هو هل تخلو دول العالم المختلفة من هذه الهبات؟؟ بالطبع لا، فالأنهار والجبال والغابات في كل مكان على هذا الكوكب، فلم يحرم الله شعبًا بعينه من عطاياه، لكن العبرة بما تفعله الشعوب بالعطايا.. فلماذا سيأتي لنا السائح دون غيرنا؟
الإجابة عزيزي المواطن توجد أيضًا في نفس المكان، كتب الدراسات الاجتماعية التي أخبرتنا أن أجدادنا قد تركوا لنا آثارًا فريدة ورائعة لايوجد مثلها في العالم كله، لكن ماذا فعلنا نحن بهذه الآثار؟
أي سائح سيفكر أن يختار مكان سفره من أجل الحصول على المتعة والاسترخاء أو حتى التسكع في الشارع في هدوء، فإذا كانت كل دول العالم بها طبيعة خلابة فلماذا سيختار مصر بالذات؟
7)
اتفقنا أن ما يميزنا هي الآثار الفرعونية بلا أدنى شك.. لكن أرجوك حدثني عن تجربتك عند زيارة الأهرامات! هل تأمن أن يزورها عزيز عليك بمفرده؟ هل تعرف ما ينتظره هناك؟ أم أن البلطجة على الزائرين أصلاً لم تعد تلفت نظرنا؟ وأن من يشتكي من السائحين هو من يجب معاقبته على أن جلده ليس "تخين" مثلنا ولايعرف اللف والدوران والفصال والتهديد؟
إذن فلو المشي والاستمتاع بالشوارع أو الطبيعة صعب، وزيارة الأماكن الأثرية أيضًا صعب؟ أومال هييجوا يعملوا ايه السياح؟؟؟! يتفرجوا على الصعوبة من باب التغيير؟
8)
عندما أرى سائحين في الشارع أشعر بالسعادة لأن في بلادي مايستحق معاناة الزيارة، لكن يعتريني شعور غامض بالشفقة عليهم، أعرف أنهم ليسوا بمواطنين فلن يجربوا المعاناة اليومية في الزحام والمواصلات والمستشفيات، لكن برضه مايمنعش أنه أكيد سيطولهم من الحب جانب!
لا أكره أن أرى سياح في بلدي لكن أتمنى أن أراهم فقط هانئين مطمئنين يضحكون أثناء مشيهم في شوارع مصر، مثلما أسعد أنا وغيري من المصريين إن سنحت لنا الفرصة وتمشينا في شوارع لندن وباريس أو أي عاصمة من عواصم العالم المتحضر أو حتى المتحضر شوية صغيرين..
ومطمئنين هنا لا تعني آمنين على أنفسهم من القتل والسرقة فقط، لكن بمعنى مطمئنين أنهم لن يتعرضون لأية مضايقات حتى لو إحنا كمصريين شايفينها "عادية" كالزبالة والبالوعات والرصيف المنعدم والفهلوة والاستظراف واختفاء المساحات الشخصية بين البشر.
فهل هذا الحلم بعيد المنال؟؟ أظن سيتحقق لما الأول المصريين يقدروا يمشوا في شوارع مصرمطمئنين ومبسوطين! يارب.
التعليقات