«العُمدة»

«العُمدة»

 

رحل عن دنيانا منذ شهرين أحد رواد أدب الأطفال العربى أ. عبد التواب يوسف. كان رحيله هادئًا، فلا وجدنا احتفالات خاصة من وزارة الثقافة التى عمل بها عقودًا فى خدمة ثقافة الطفل. ولا من الإذاعة المصرية التى خدمها سنين طويلة بالرغم من مريديه الكثر ومحبيه المؤلفين. وفى وقت قريب من وفاته توفى أديب عظيم آخر هو جمال الغيطانى ورُتبت له احتفالية خاصة فى وزراة الثقافة وفى الجامعة الأمريكية بينما لم يحدث مثل هذا لعبد التواب يوسف. والحكاية هنا ليست أننى أفضل أديبًا على أديب، كلاهما عملاقان كبيران ولا تربطنى بأى منهما أى صلة اللهم إلا صلة القارئ الشغوف، ومن وجهة نظرى لا توجد احتفاليات توفيهما حقهما. ما يوفيهما حقهما هو الدراسات الوافية عنهما وإحياء عوالمهما الأدبية فى نشر ونقد واشتباك أدبى.
الإشكالية هنا فى مغزى ماحدث. فتهميش وفاة عبدالتواب يوسف تعبيرعن كيف ينظر الناس لعالم الطفل وثقافته. فثقافة الطفل مهمشة أكثر من أى وقت مضى، بل أكاد أزعم أن الطفل مُغتال بكل الصورالممكنة، فالإعلام يقتل براءته فى عنف محلى وعالمى وعنف موجه فى الدراما والسينما، وبرامج الأطفال المحلية دون المستوى، وبرامج الأطفال العالمية لا سلطان لنا على ما فيها. لا نهتم بالكتابة له ولا الترجمة بالقدر الكافى ولا تزال نظرتنا دونية لكل ما يُنتج له وكل من ينتجون له وكأن الكتابة للطفل أو العمل معه أمرًا تافهًا وسهلًا لدرجة أنه لايستحق الذكر. طفلنا المسكين ممزع ما بين حياة دراسية بائسة بكل الاحتمالات وحياة اجتماعية مليئة بالضغوط. ومن الطرق التى نغتال بها الطفل ألا نعنى بأعلام ثقافته ولا نكرم من قاموا عليها بقدرعلمهم واجتهادهم عقودًا طويلة، وألا ندرس منتجهم ونوثق له ونخلد أسماءهم أحياءً قبل أن يكونوا أمواتًا.
إن أهمية ثقافة الطفل عندنا هى بالضبط بحجم ما نوليه من أهمية لما يخصهم. أنظر مثلًا لوضع مكتباتهم. أتفق أو أختلف مع سوزان مبارك، أنشأت مكتبات عديدة مثل مكتبة البحر الأعظم والدرب الأحمر بمنح ألمانية، أين هى هذه المكتبات الآن؟ ولماذا نربط نظام سياسى نختلف معه بكل ما أنتجه هذا النظام من مزايا ما دام للصالح العام؟ وما يضيرنا أن اسم المكتبة مبارك ما دامت تخدم الأطفال؟
فى مجتمع تتقلص فيه مساحة الحرية وسقف الإبداع طوال الوقت للكبار، تكاد تنعدم وينطبق السقف على الصغار ولا أمل فى إصلاح إن لم نبدأ بالأطفال وعالمهم وثقافتهم وتعليمهم وصحتهم فينشأ لدينا بعد عشرين عامًا جيل به بعض الرجاء.
رحم الله عبد التواب يوسف عمدة أدب الأطفال.
التعليقات