بائع السحاب

بائع السحاب

 

بعد أول مطر فى القاهرة هذا الشتاء امتلأت السماء بأشكال مختلفة من السحاب المثقل بمطر لم يهطل بعد. السحاب المحمل بالمطر يجعل السماء تبدو قريبة للغاية وكأنك تتلقى رسائل خاصة من الواجب أن تقرأها. تترك ما فى يدك، تقف إن كنت ماشيًا وتركن سيارتك إن كنت تسوقها. تترك هاتفك وتصمت عن حوارات تديرها مع من معك. يتجه الجميع بأبصارهم إلى السماء لتلقى رسالة المبدع العظيم جل جلاله.
خرجت من بيتى فى طريقى للطبيب، كنت أحاول أن أفهم معانى الرسائل وأنا أقود سيارتى بين منتجعات أكتوبر السكنية الفخمة. عبر طريق طويل استطعت أن ألمحه، جسد صغير نحيل يجلس على الرصيف وبجانبه عشرات من أكياس غزل البنات مربوطة فى عصا خشبية. ميزته من بعيد لأنه لم يكن هناك غيره على مدى ثلاثة كيلومترات أو أكثر هى طول الشارع شبه الخالى. ولد ساحر لا يزيد عن ثمانى سنوات قد ترتفع إلى عشر لو وضعنا فى الاعتبار سوء التغذية، رأسه أكبر من حجم جسمه، حين وقفت بجانبه وشغلت زر الانتظار فى سيارتى نظرت له، وجه أسمر بشوش، منحوت نحتًا فرعونيا أصيلاً. شعره مجعد على رأس أكبر من جسده بشكل لافت. عيناه حمراوتان من أثر الشمس أو التراب أو حتى قلة النوم. لكن ما يميزهما هو لمسة الحزن والقبول العميق لوجوده فى هذا المكان. يرتدى عباءة صعيدية تُذهب العقل فى دقة تصميمها على الجسد الصغير.
"ازيك! هات واحدة".
أمد له يدى بمبلغ ينظر إليه فى دهشة.
"هى الشيلة دى كلها بكام؟".
"مش عارف والله!".
"طب ما تروح بقى.. ماهى جبرت أهى".
"الراجل حيخصم تمنهم منى لو رجعت بيهم".
"طيب ربنا يوسع عليك. الفلوس دى ليك إنت.. ما تديهاش ليه".
"حاضر" يقولها وهو يبتسم.
كيف لم أصوره؟ كيف لم أشتر كل الغزل منه وتركته يرجع؟ كيف لم أشتره وأعطيه له ليأكله ثم يذهب؟ نوع من أنواع قلة التركيز والاحتياج الملِّح للقهوة. ولماذا لم أسأله عن اسمه؟ هل خِفت أن يتعلق قلبى به؟ لقد تعلق بالفعل بطفولته الغائبة وبسمته الغامضة وسط الشارع الطويل الذى يزدان بالمنتجعات الفاخرة وتحت السحب المتكلمة والسماء القريبة.
"رزقه كده بقى! كفاية لوم لنفسك!" ردت علىّ نفسى المتعبة.
أذهب إلى طبيبى، أغمض عينىّ لترتاحا قليلاً فأجد بائع الغزل الصغير بينهما. لم يكن من اللائق أن أصوره. وجوده الشجاع هذا فى شارع يخاف المرء أن يمر به ماشيا وحده كان حياة جديرة بالتأمل والانحناء لها، لا بالتصوير والمشاركة. وغيره ملايين من الأطفال المكافحين يملأون شوارعنا ويفتحون بيوتًا بجهدهم.
أسأل عن معاد دخولى للطبيب وأعود مكانى ليمتلئ عقلى بالتفكير فى بائع الغزل، ربما ليس طفلاً على الإطلاق! ربما هو ساحر، يمد يديه السمراوتين الصغيرتين ويقطع من السحاب قطعًا صغيرة، يهمس لها بأشياء لا نعرفها، تنثر كلماته على قطع السحاب السكر، يدسها فى الكيس البلاستيكى ويغلقه ويبيعه لنا، غزل بنات شهى يذوب على ألسنتنا! هذا ما يفسر وجوده فى هذا العراء، ويفسر السماء القريبة ونسب جسده غير المفهومة.
إن كان الأمر هكذا، فيجب أن نأكل غزله بحرص وتؤدة. أترك العيادة وأنزل سيارتى. افتح كيس غزل البنات بحرص وأضعه على لسانى بإجلال وأهمس، المجد للطفولة.. المجد للسحر.. المجد للرسائل السماوية.
التعليقات