إعلاميون مراقِبون: بركاتك يا عم أوريل

إعلاميون مراقِبون: بركاتك يا عم أوريل
في رواية جورج أوريل الشهيرة 1984، شغل وينستون سميث الشخصية الرئيسية منصبًا في وزارة التاريخ، وهي وزارة غير معنية بتسجيل التاريخ أو حفظه، بل بتغييره في الخفاء  لصالح الحزب الحاكم، أو تزويره اعتمادًا علي ذاكرة الناس الضعيفة التي لا بد وستنسي الأحداث، وهو مايحدث بالفعل. حتي من  يزال يتذكر شيئًا ويحاول التأكد منه لا يجد مستندًا يرجع إليه ليؤكد ظنه أو أشباح ذاكرته لأن كل الصحف والوثائق قد تم تغييرها في وزارة التاريخ.
فمثلا يقتنع الناس في أوشينيا بأنها كانت دائمًا في حالة حرب مع إيستازيا، لكن بعض المواطنين يتذكرون وقت ما كان الوضع مختلفًا، ومنهم وينستون، لكن لا يستطيعون التأكد لاختفاء الدلائل. يتوه الناس في عالم أوشينيا المرعب وينسون تاريخهم ومن يظل علي شك يُتهم بالجنون أو يتم اعتقاله. عبقرية أوريل في خصوبة خياله وفي هذا العالم المرعب الذي رسمه. رأي العالم ملامح  كثيرة من عالم أوشينيا في دول عدة منذ كتابة هذه الرواية وحتي الآن.
ترحمت علي أوريل وأنا في ندوة "إعلاميون مراقبون" التي استضافها صالون علاء الأسواني في مقر فيلا ممدوح حمزة التي يطلق عليها "بيت الثورة". تحدث فيها مؤسسو حركة "إعلاميون مراقِبون" وعلي رأسهم أ. عامر الوكيل عن تجربتهم الفريدة في تكوين تلك المجموعة من الإعلاميين الذين قرروا القيام بهذا العمل التطوعي لرصد الانحرافات المهنية للإعلام المصري من تضليل وكذب أو خروج علي القواعد وتسجيلها في تقرير تنشره صحيفة المشهد المستقلة كل شهر وينشر في كتيب سنوي، علي نفقة الإعلاميين الخاصة. هذا التوثيق هام جدا ليس بالضرورة للتصحيح الفوري لأنها لا تزال أقل تأثيرا من أن تَحدث تغييرا مباشرا لكن للتأريخ وللأجيال القادمة، لكي يكون هناك توثيق لما يحدث.
تحدث أحد شباب هذه الحركة قائلاً إن أهمية الحركة ليس فقط في رصد المخالفات العديدة التي يقوم بها الإعلاميون بسبب عدم الحرفية أو بسبب انصياعهم لقوة السلطة وما تريد أن تملأ به عقول الناس، أو علي الصعيد الآخر ماتقوم به بعض القوي المعارضة وما تريد أن تملأ به عقول الناس أيضًا، وما بين امتلاء كاذب وآخر تضيع الحقيقة تمامًا.
تسجيل المخالفات الإعلامية في الصحف والقنوات الفضائية كما تحدث -وهو ماتقوم به حركة إعلاميون مراقبون- يكتسب أهمية خاصة في هذه الحالة لأنه يصبح كالتاريخ الموازي الذي يوازن كفة التاريخ المصنوع. ورغم أن المخالفات لا تزال كثيرة ولا تزال تحتاج إلي تصنيف واضح ورغم أن المتطوعين لا يزالون قليلين مقارنة بحجم ما يجب مراقبته فإن بدء التجربة في حد ذاته علامة علي صحوة وصحة.
في ظل انفلات إعلامي غير مسبوق علي كل الأصعدة، يتعاظم دور مثل هذه الحركة ويتوجب دعمها من أجل الأجيال القادمة ومن المهم أيضًا أن نقرأ رواية 1984 التي رغم أنها تصور واقعًا كابوسيًّا إلا أنه واقع ليس ببعيد علي أي دولة والانتباه له واجب إنساني عظيم.
التعليقات