على المحور

على المحور

 

فى طريقى للبيت بعد مشوار طبيب ابنى، عند ميدان لبنان أخبرت السائق أننى سأستلم منه الطريق إلى أكتوبر وأن بإمكانه أن يذهب إلى بيته الآن. حاول أن يثنينى بحجة الإرهاق البادى على وجهى لكنه نزل من مقعده حين رآنى بالفعل بجانب السيارة ويدى على الباب.. "إنت مشيتيه ليه ياماما؟" لم أرد. ولم يسألنى الشاب الصغير ثانية. كان قلبى ثقيلاً وذهنى شاردًا وقيادة السيارة ستشغلنى حتمًا بعض الوقت عن التفكير فى أزمته الصحية التى لا نفهم لها حال وعن محنة الثانوية العامة واحتمالية تدهور صحته مع الضغط العصبى فى الأيام القادمة. الأهم هو أننى لا بد أن أتوقف عن التفكير فى معضلة الحق والباطل والاستسلام لصور كثيرة أصبحت تملأ الصحف ومواقع الاتصال الاجتماعى. البعض يصفهم بالشهداء والبعض يصفهم بالإرهابيين. وبين هؤلاء وهؤلاء يوجد سجل الحيرة اليومى الذى يسجلنا ونسجله. إستلمت المحور وبدأت الرحلة وابنى بجانبى يرفض أن يلبس حزام الأمان لأن صدره مختنق.
"واثق فى سواقتك يا ماما!" قالها الولد متهكمًا.
فى منتصف الطريق فاجأتنى سيارة مارقة بجنون، مرَّت دون أن أراها فى أى من مرايات السيارة، دون  حتى أن أشعر بها من على يسارى وبعدها مباشرة واحدة أخرى بنفس الطريقة من على يمينى، وقبل أن أفهم مايحدث رأيتهما يتحركان من حارة إلى حارة أمامى بسرعات جنونية، يخطفان "الغرز" من بين السيارات. سيارتان فاخرتان، بإمكانى أن أراهما لمسافة بعيدة لأن طريق المحور فى هذا الجزء ينحدر تدريجيًّا لتكون دائمًا أعلى قليلاً ممن هو أمامك، كان من السهل متابعة ضوء السيارتين وهما تنتقلان  بين السيارات وكأن المشهد كله أصبح لعبة سباق من ألعاب الفيديو التى تنتقل فيها السيارة أو الموتوسيكل أو الطائرة من نقطة لنقطة دون مجهود، فقط بضغطه على الزر أو انحناءة إلى اليمين أو اليسار. بلعت ريقى وسألت ابنى بصوت مرتعش،
"هو إنت شفت اللى أنا شفته ولا كان بيتهيألى؟
رد الولد وهو يضحك، "شفته يا ماما".
"إيه دول؟ مين دول؟".
"بيتسابقوا يا ماما! عادى!".
كلمة "عادى" تضغط على أعصابى، لأنه لا يوجد أى اعتيادية فى ما نعيشه سوى اعتيادية الموت. تمالكت أعصابى لأننى أعرف كم هو متعب، وكم طال هذا التعب.
"طيب لو عملوا حادثة وهم بيتسابقوا؟".
"دول سواقين شطار قوى! ده ممكن كمان لو حابين يغلسوا أكتر يقفلوا الطريق على بعض، يحجبوا الرؤية من زوايا معينة ويخلوا عربياتهم تخبط فى اللى أدامها".
هنا وجدت صعوبة حقيقية فى البلع! وبسرعة تناولت شربة ماء قبل أن تهاجمنى الكحة وصمتُ طويلاً قبل أن أسأل "ولو موتوا حد فى العربيات اللى ادامهم، يبقى إيه؟".
"دى مخاطرة اللعبة بقى حنعمل إيه؟".
لم يكن عندى ما أرد به. لو تفوهت بأى كلمة فى هذه اللحظة ستبدو نوعًا من الوعظ الردىء حتى ولو لم يكن هذا مقصدى. كل الكلام أصبح لحظتها مثل الطلاسم الفرعونية قبل فك حجر رشيد على جدران حلقى. وكنت أشعر أنها قد حلت على الكرسى الخلفى للسيارة بالورد الذى كانت تحمله قبل أن تُقتل وأنهم يتوالون بعدها بأعداد كبيرة، ومن جنسيات مختلفة، وأن مساحة الكرسى مقارنة بأعدادهم الغفيرة لن تفرق لأنهم فى الأصل يجلسون على فراشى كل صباح ويسعهم جميعًا. لم أستدر ولم أنظر لهم حتى فى المرايات لأننى لم أعرف كيف أفسر لابنى وجودهم المحزن، ولا غيابهم المحزن.
انتهى الكوبرى واستمررنا على الطريق الممتد منه وعلى يميننا كل الكومبوندات السكنية الجديدة الفاخرة، وأصابع ولدى تعبث بعصبية  فى محطات الراديو بحثًا عما يغطى صمتنا المثقل بالكلام.
التعليقات