عن ورشة سيشت والحب غير المشروط

عن ورشة سيشت والحب غير المشروط

 

جُل ما يحتاجه الناس ليصبحوا بشرًا أسوياء هو الحب غير المشروط، حب قبول الآخرين لهم بكل مافيهم، بعيوبهم ومزاياهم، بماضيهم، وبحيرة حاضرهم وبعتمة مستقبلهم. بكذباتهم البيضاء والسوداء، بمعتقداتهم المختلفة حتى لو بلهاء، بطفولتهم ومشكلاتهم وشيخوختهم وأشياءهم التى تضيع وبُخْلَهم وجنونهم وكذبهم الأبيض والأسود. وحين يضيع من الناس ذلك الحب يضيعون بدرجات متفاوتة فى الحياة. وكلنا هذا الرجل/ وهذه السيدة. العيادات النفسية تمتلئ بمن فقدوا هذا الحب، وعاشوا الحياة مشوهين من فقده أو من تجربة قسوة الحب المشروط.
ذلك ما يتعلمه كتاب وكاتبات ورشة سيشت للكتابة الإبداعية التى تقدمها المبدعة سحر الموجى فى مؤسسة «دوم» الثقافية، لا يتعلمون فقط كيف يختبرون أماكن الكتابة فى نفوسهم واكتشاف مواطن الألم والإبداع، بل وإيجاد الشجاعة لتكملة سَبر الغرف المغلقة التى هى مصدر كل الإبداع، ويتعلمون كتابتها، ونقدها، وتنقيحها، والأهم منه مشاركتها وتقبل النقد من بعضهم البعض، ثم أيضا حكيها  بشكل احترافى، أى مشاركتها مع الغرباء فى الوجوه الشريكة فى الإنسانية، بل يتعلمون بجانب كل هذا وفوق كل هذا ودون أى تعليمات حقيقية قبول بعضهم البعض وقبول كل الناس بلا شرط ولا قيد، بكل لون وكل ديانة وكل أيدلولجية، وكل تاريخ وكل موقف سياسى ممكن. فالحب لا يتعلمه أحد، وإنما يتسرب إلى الروح من الروح، وحين يكون حقيقيًّا فهو يدخل القلوب مباشرة، يغمرها بفيض من النور وحين يغمر الأرواح ذلك النور تشفى بإذن الله.
خمسون كاتبًا وكاتبة، هى حصيلة خمس ورش حتى الآن منذ عام 2012، خمسون غريبًا لم يعودوا غرباء، ولا يربطهم سوى ذلك القبول المطلق للإنسانية ولا يجمعهم سوى حب الكتابة.. يتغلبون على الغربة التى تسكننا جميعًا بفتح الجروح ووصل التفاهم وبذل الحب والمساندة والكتابة، يبذلون نفوسهم فى كتابة حقيقية، ويفتحون فى حكيها الأذرع لكل من يسمعها فتدخل إلى القلوب وتحرك الحكايات فى كل من يسمعها.حين يلتقون، تدب فيهم الروح ويصبح كل منهم أقوى وأقدر على مواجهة الحياة بجبروتها. لا يقصرون الحب على الضيق والمحدود، لا يرونه الحب الرومانسى بين رجل وامرأة، لم تحدث حالة ارتباط واحدة بين كتاب وكاتبات سيشت على مدى ثلاث سنوات، ليس لأنها غير واردة ولا لأنهم غير جديرين بهذا، لكن الحق أن ما يجدونه من حب واسع فياض وقبول بلا شرط هو أغلى وأسمى وأروع من المحدود، يملأهم ويقوى ظهورهم ويصبح كل شىء بجانبه يمكن الاستغناء عنه. لا يرون أن هذا رجل وهذه امرأة.. يرون فقط فى كل واحد وواحدة منهم الإنسان.
أنا لا أكتب هذا المقال لأحثكم على الالتحاق بسيشت. أنا أكتبه لأحدثكم عن الحب غير المشروط، الذى يشفى الصدور. الحب الذى خلق الله به الكون، الحب الذى إذا ملأ قلب العبد حل الله فيه، الحب الذى هو قطعًا موجود حولكم، ابحثوا عنه، ابحثوا عن سيشت التى فى عالمكم وحين تجدوها تمسكوا بها فهى واحة الأمان الوحيدة فى هذا العالم.
التعليقات