جولة ليلية معتادة

جولة ليلية معتادة

كنتُ مرهقة جدًا بحلول ذلك المساء، ولذا فقد قررت أن أقوم بجولة ليلية إضافية هذه المرة.. ضمن جولاتي التي تسبق الخلود للنوم.. أو التظاهر بذلك..

ربما يؤجل ذلك موعد المواجهة اليومية للأرق والأفكار غير المنطقية الليلية.

قادتني قدماي للمطبخ لا أدري لماذا.. طقس ليلي للاطمئنان أن كل شيء مستتب.. على خير مايرام.. ولا شيء جديد..

فتحت الباب لأجده أمامي بجسده الرشيق المخيف.. يتسلل إلى أعلى.. ثم يختفى..

في لحظة أصبحت في وضعي الأول مجددًا.. خارج المطبخ والباب مغلق.. لا أعرف إن كان هو قد سبقني في الاختفاء أم أنني قد سبقته في الخروج، وهل أغلق الباب نفسه.. أم أن ذلك كان مجرد حلم سخيف؟

توقف قلبي عن النبض.. كيف دخل هذا الصغير إليّ ولماذا اختارني أنا؟  

أنا التي تخشى حتى من نطق اسمه وفقًا لأسطورة نسجتها جدتي حوله.

ربما حظه التعس أوقعه في الدخول في ساعة تعسة إلى منزل صغير خال من المتعة.

ماذا سأفعل الآن وماذا سيفعل هو وقد امتلك زمام الأمور بهروبي وتخاذلي؟

تجمد جسدي لمدة نصف ساعة في منتصف المنزل لا يستطيع حراكًا.. هل حبسته أنا بالداخل أم حبسني هو بالخارج؟ ولماذا بيتي بالتحديد؟ ولماذا هذه اللحظة؟؟

 ربما كان من الأفضل أن أترك المفاجأة غير السعيدة لحين استيقاظي غدًا في الظهيرة.. لكن ما قد حدث حدث.. فتحت الباب ورأيته..

لم يكن أمامي سوى مهاتفتها.. صديقتي الوحيدة المخلصة.. ينبع إخلاصها في الحقيقة من تفضيلها النوم صباحًا..مثلما أفضل أنا.

خجلت أن افاتحها بما حلَّ بي بعدما أخبرتني عن مرض صغيرتها.. هل مصيبتي أنا أكبر أم مصيبتها؟

أخبرتها بما حدث عرضًا وكأنني لم اتصل بها لهذا السبب في الأساس.

 ضحكت من خوفي وأخبرتني أن المخلوق هذا.. "جبان للغاية".

ربما أكثر من جبني أنا.. فخبرتها معه طويلة..تفوق خبرتها معي أنا.

نصحتني صديقتي الوحيدة المخلصة أن أسترح قليلا، عليّ أن أترك الراديو يعمل والأنوار مضاءة أيضًا..فهو مثلي يكره الضجيج.

"أما إذا كان لابد أن تدخلين إلى المطبخ.. فإليك الطريقة: اطرقي الباب بشدة قبل فتحه.. لا تباغتيه.. هو سيقوم بالواجب ويختفي.. هكذا تضمنين عدم رؤية وجهه"

وعلى الأريكة لبست جوربي.. فهدأت أعصابي في الحال..وغلبني النوم ساعة ثم انتبهت.. الآن فقط ربما أجده مستيقظًا..

استدعيته بأعلى صوت لدي.. فصعد إلى منزلي في ضيق وبؤس يشبه لون جلبابه.. دخل مطبخي وبحث عنه في كل مكان.. لم يجد له أثر..

" ربما يا سيدتي من حيث دخل خرج".. قال كلماته ثم غادرني وخرج.

أوهمني قلبي بالارتياح لكنه لم يكن مُقنعًا..أما عقلي فقد فرض على جسدي قشعريرة كلما دخلت من هذا الباب.. بالتأكيد أنا لست وحدي بالمطبخ..

نصحتني صديقتي الوحيدة المخلصة " لا حل لك سوى المصيدة..هي رحيمة جدًا..هو خلف "ثلاجتك" بكل تأكيد يلتمس بعض الدفْ في هذا الشتاء البارد".

يقشعر بدني بشدة ولا استطع سوى استدعاءه مجددًا..فيدخل منزلي ممتعضًا بجلبابه المهترئ..

يضع قطعة الجبن الصفراء بحرص داخل المصيدة اللعينه كأنه ينزع فتيل القنبلة بينما يحدثني مفاخرًا..

"يجب توخي الحرص معها يا سيدتي وإلا تُغلق على أصبعي أنا!"

يتركني وأترك بدوري المنزل الذي ملأه الخوف، لأهرب إلى الشوارع الأكثر تعاسة..

عند عودتي في المساء خالية الروح.. سمعت ضجيجًا ارتعد له جسدي.. رغم أني قد توقعته وتمنيته.. لكنه كان قادرًا على قتلي في الحال.. لولا مخالفة القدر.

لم أنم وانتظرت حتى الصباح.. بادرت بايقاظه بصوت واهن كي يصعد إلى منزلي مجددًا..

جاءني وقد بات الغضب يسكنه مني ومن قصتي.. برمتها.

" أكمل صنيعك الجميل.. ادخل وأخرجه"

استجاب لي صاغرًا.. وقاومت أنا النظر إلى المصيدة المعدنية التي تشبه "زنزانة متناهية الصغر"..

غادر هو منزلي.. وغادرت أنا خلفه باكية..

هل انتهت القصة؟ هل كان يجب أن يصيبني كل ذلك الجنون؟ ألم أكن قادرة على تخيله كائنًا أليفًا أو صديقًا مخلصًا يسكنه مثلي الخوف والأرق؟

 إما أن أقتله أو يقتلني؟؟..على كل حال اخترت أن أقتله أنا..

أصبح النوم نادرًا.. كما صار الدخول إلى المطبخ أكثر صعوبة من ذي قبل..

وباتت فكرة المكوث في المنزل قاسية.

ورغم انقضاء أيام مملة وأسابيع... إلا أنني ظللت كعادتي.. ربما مس من جنون أصابني..

كلما اقتربت من باب مطبخي أطرقه بشدة.. وكلما فتحت ثلاجتي تخيلت ورائها كائنًا رماديًا صغيرًا قابعًا.. يفكر ويحلم بوجبته القادمة..

التعليقات