الوزارة «الطيوبة»!

الوزارة «الطيوبة»!

اندهشت كثيرًا لموضوع حذف أجزاء من مناهج مادة اللغة العربية فى المدارس بعد شهر ونصف من بدء التيرم الدراسى. الحذف والتعديل والإضافة فى حد ذاتها مسألة عادية وصحية فى أى بلد فى العالم، لكن أن يحدث هذا والطلبة يمتحنون امتحانات منتصف التيرم، وأن يكون معظم الملغى مما قد درسوه بالفعل فى بداية التيرم، فتلك نقاط لا بد من التوقف عندها لمناقشة منطق وزارة التربية والتعليم فى ما تفعل. أما عن أسباب الحذف فقد تصيبك بالدهشة ثم الصدمة لأن فكرة حذف الدروس التى تحض على العنف فكرة لا بد من الوقوف أمامها طويلاً. فمن الذى يحدد معيار العنف؟ هل الكلام عن حروب حدثت بالفعل يعتبر دعوة إلى العنف؟ هل استعراض عدوانية الحيوانات فى الطبيعة دعوة للعنف؟ هل رؤية التاريخ وتدارسه يعتبر عنفًا؟ الحق أننى لا أفهم معايير اللجنة -إن كان هناك لجنة أصلا!- التى تولت مسألة تحديد المحذوف. مثلاً فى قصة «عقبة بن نافع» التى يدرسها طلبة الصف الأول الإعدادى تم حذف فصل يسمى «ماء فرس» من ضمن فصول عدة. وبالرجوع إليه لم أجد أن به عنفًا من أى نوع، بل هو تجسيد لدعوة عقبة المستجابة فى توفير المياه العذبة لجيشه فتفجر الماء تحت أقدام فرسه وأمر عقبة بحفر الآبار فى نفس هذه المنطقة وشرب الجنود وشكروا ربهم، أين العنف هنا؟! أم إن فكرة الدعوة المستجابة أصبحت دربًا من دروب العنف؟
طيب، سأصدق أن دوافع الحذف من باب عدم التحريض على العنف، ماذا ستفعل وزارة التربية والتعليم إزاء العنف الموجود فى الأخبار والإنترنت والأفلام  والمسلسلات وفى قلب الشارع وفى البيوت؟ الأدهى ماذا ستفعل الوزارة فى العنف الموجود فى المدارس ذاتها، والذى تتنوع أشكاله وألوانه من العنف اللفظى للجسدى للإيذاء النفسى؟ هنا نحتاج لخطة جديدة لمواجهة العنف الموجود والمتغلغل فى قلب المجتمع. ليس فقط فى صورة دروس قراءة تُضاف أو تُحذف، بل الموضوع أكبر كثيرًا من هذا. المثل والقدوة من المدرس هما أول خطوة، فجميعنا نعرف أن الطلاب والمدرسين والممتحنين يتعاملون مع المادة العلمية بشكل مؤقت، يحشون به الأدمغ لفترة الامتحان وانتهينا بعدها. أما المثل الحى متمثلاً فى المدرس وكيف يتعامل مع العنف فى كل شىء هو أكبر مؤثر على الطالب. ربما ضرورة الالتزام بأن يأخذ المدرس سَنة فى كلية التربية كما كان الوضع سابقا هى مسألة حتمية. ثانيا ربما على وزارة التربية والتعليم تشكيل لجنة من المتخصصين والتربويين لمناقشة المسلسلات التليفزيونية -على خلفية أن رمضان قادم جريًا- وتقديم توصيات بمنع وحذف وإلغاء العنيف منها. وإن لم تستطع فربما أقصى ما يمكن عمله هو تحديد قائمة بالمسلسلات والأفلام التى تجدها الوزارة غير مناسبة للأطفال والمراهقين. والأهم هو الاستعانة بالأطباء النفسيين لتعليم المدرسين والآباء طرقًا فعالة لمناقشة العنف الموجود بالفعل مع الطلاب وفهمه لتفاديه. على سبيل المثال على أحد ما فى هذا الوطن الواسع الذى يحاول تعلم الرقة والبعد عن العنف أن يجيبنى كأم بماذا أجيب ابنتى حين تسألنى عن مغتصبى وقتلة الطفلة زينة؟ وبماذا أجيبها عن المدرس -أكرر المدرس- الذى اغتصب طفلة فى أولى ابتدائى؟ أليس هذا عنفًا  ضاربًا فى قلب المجتمع رغمًا عنا وينتقل للطلاب شئنا أم أبينا؟ ماذا فى يدنا لمعالجة آثاره المدمرة؟ كان الأولى بوزارة التربية والتعليم أن تفكر بهذا الشكل الواسع بدلاً من حصر المسألة فى إلغاء دروس القراءة فى قلب التيرم الدراسى. ثم تعيد التفكير فى كل المناهج ليتم التعديل قبل طباعة كتب العام الجديد. وإن أرادت فعلاً حذف ما يحض على العنف فعليها أن تعيد النظر فى كل المناهج التى تمتلىء حشوًا لا قيمة له وتشكل عبئا على المدرس والتلميذ والأهل وتولد دوائر من الإحباط والضغوط التى ستولد دوائر من العنف لاحصر لها. 

التعليقات