عندما يكون الضيف غليظا

عندما يكون الضيف غليظا

 

فتح برنامج «الاتجاه المعاكس» الذى ظل يبث على قناة الجزيرة، أبواب جهنم علينا، حيث قامت سياسته على أساس وجود ضيفين متناقضين تماما فى الفكر والأيديولوجيا، وعلى كل منهما أن يقول بكل حرية ما يراه، ويؤمن به، وهكذا بدا برنامجا من النوع الذى يصب الملج على الجرح الطازج، وصدمنا فيما نسمع من آراء كانت من قبل لا تقال إلا فى الأقبية، وبدا المعارضون قد بالغوا فى الغلظة، والثقة فيما يقولون، وكم تراشق الضيفان بالألفاظ، والشتائم، وكم كان هناك ضيف محترم لا يرضى بما يقوله خصمه فيترك المكان، ونحن نعرف أن هذا البرنامج كان يمنح الضيف استضافة وسفرا بالدرجة الأولى، ومكافأة لا بأس بها.

وأذكر أن ضيفا فى إحدى الحلقات أعلن رفضه للقانون الوضعى الذى تمشى عليه الأمم وخلع بلغته وقال إنه يضع هذا النعل فوق القانون، وقد رأيت أن هذا البرنامج بسكوته على الضيف قد أرسى أسوأ قواعد للحوار، والاختلاف، واستمر البرنامج فى أن يكون من بين الأوائل فى نسبة المشاهدين، فالمعارك مستمرة، ومقدم البرنامج يتسم ببرود أعصاب وثقافة، وكل ما يهمه هو النجاح والاستمرار.

ما لبثت عشرات البرامج المضى على هذا النهج، وكأنها ولدت من رحم  «الاتجاه المعاكس» وصنع الكثيرون من الإعلاميين المصريين مجدهم على هذا الغرار، باستضافة ضيفين أو أكثر يتراشقان فيما يقولان، وبذلك صارت هذه البرامج ساحة خصبة للمعارك فى الآراء، ولا أقول فى الفكر، لأن ما نسمعه ليس أبدا من الفكر، وصارت هناك منافسات لكل منها جمهورها خاصة فيما يتم مناقشته حول مسألة العقائد، فى وطن يضم مواطنين من ديانتين سماويتين، ومن خلال هذه اللقاءات اكتشفنا أنه من السهل الإيقاع بأى طرف يزل لسانه بما لا يرضى الطرف الآخر، ويتم سحبه بين ليلة وضحاها إلى السجن، مثلما حدث مع إسلام بحيرى، وعبد الله نصر، أما الطرف الآخر المتحصن بحصن خاص، فإن أكثر ما يحصل عليه من عقوبة هو منعه من الظهور فى نفس القناة لمدة محددة، مثلما حدث مع البعض، وعليه فإن الإعلامى الذى يود لبرنامجه الاستمرار، والشعبية الأكثر، أن يستضيف هذا الطرف، وأن ينثر أمامه كل البهارات للاختلاف، وقد رأيت أحدهم جالسا كالطاووس وبكل ثقة فيما يقول، وفى عدم العقاب، فإنه ينطق بكل ما يمكن لآخرين أن يخفوه، وهو أن أكثر من 12 فى المئة من الشعب المصرى كفار، حدث ذلك قبل المذبحة البشعة بأربع وعشرين ساعة، ولم يحدث ما توقعناه، أن يحاسبه أحد أو يسوقوه حتى خارج الاستوديو.

يعنى هذا أن الدم سوف يزداد لا محالة، وأن الإعلاميين سيحرصون دومًا على استضافة من يشعلون لهم برامجهم، ويزيدون نسبة المشاهدة يصرف النظر عن النتائج الدامية والعواقب البالغة السوء.

فالقانون والفتاوى صارت تحمى أطرافا بأعينهم يتكلمون بكل ثقة وغلظة، بأنهم فوق العقاب الحقيقى، والمقابل زيادة التأجج، إلى ما لا نهاية.. وربنا يتولانا.
 

التعليقات