حرمة الزمان والمكان

حرمة الزمان والمكان

عام مضى على تفجيرات البطرسية، ولا يزال وقع كلمات تلك السيدة المسيحية المصرية يتردد فى رأسى، فقد سمعتها تقول بحرقة: هل هذه حلوى المولد التى يقدمونها لنا؟

وقتها سألت نفسى عن سر توقيت هذه التفجيرات، هل مجرد صدفة أن يفجر بيت عبادة للمسيحيين، والمسلمون يحتفلون بميلاد النبى صلى الله عليه وسلم؟، هل كان المقصود وقيعة بين المسلمين والمسيحيين، أم أن توقيت التفجير كان مجرد صدفة؟

لم أصل لنتيجة حاسمة، وفى الوقت ذاته لم أجد مبررا واحدا يبرر كيف تستباح دماء فى مكان عبادة، أى مكان للعبادة، حتى ولو كانت عبادة مخالفة لاعتقادك.

هذا العام وفى نفس التوقيت تتكرر نفس المأساة، وفى بيت عبادة أيضا فى مسجد للمسلمين، أثناء صلاة الجمعة، فى مشهد يكاد يكون أبشع مشاهد الإرهاب على الإطلاق.

فالقاتل هذه المرة لا يمكن لأحد أن يدعى أنه مضلل أو مغرر به، ولكنه مجرم محترف يتلذذ بإجرامه، إنه لم يفجر نفسه، ولم يرم قنبلة ويهرب، ولكنه بقى ليحصى عدد من قتل ويتباهى مع أقرانه، بل ويتفاخرون بمن قتل أكثر.

بشهادة بعض الناجين: كان القتلة يتمازحون ويتراهنون على من يقتل أكثر، الأمر الذى يبعدهم حتى عن دائرة المرض النفسى.

التفسير الوحيد المنطقى لاحتمال أنفسهم بشاعة ما قاموا به، هو أنهم قتلة اعتادوا لون الدماء فلم تعد نفوسهم تتأثر به، بعد أن أصبح عملا يوميا، يمكنهم القيام به وهم يتضاحكون ويلعبون.

هؤلاء بلغوا من الإجرام مبلغا، تجاوز كل الروادع، التى يكن أن تردع الإنسان عن قتل أخيه الإنسان، تجاوزوا رادع الإنسانية، ورادع حرمة الدم، ورادع أخوة الدين -لو كانوا مسلمين- تجاوزوا رادع حركة الزمان، زمان ميلاد النبى صلى الله عليه وسلم، الذى كان يفترض أن يذكرهم بالرحمة وبرقة القلب ونبذ العنف والجنوح إلى السلام، تجاوزوا رادع اليوم، يوم الجمعة ببركاته وفيوضاته، ورحمات الله تعالى التى تتنزل فيه، بل وتجاوزوا أيضا رادع الساعة، ساعة صلاة الجمعة، ساعة تجمع المسلمين فى عيدهم الأسبوعى، ساعة الذكر والدعاء والرجاء، تجاوزوا كل هذه الروادع وأصروا على جريمتهم الشنعاء.

أى ضلال أكثر من ذلك؟! وأى جرم أشنع من ذلك؟! وأى سبب منطقى يمكن أن يقود إلى تلك المأساة؟!

لا أرى مبررا واحدا يمكن أن يرتكن إليه ضمير هؤلاء القتلة ليبرر لها اقتراف ما اقترفوه، إلا أن تكون حالة من الضلال، زينت لهم سوء عملهم فرأوه حسنا، إنها تلك الحالة التى استجار النبى صلى الله عليه وسلم، بالله منها، فكان يقول داعيا ربه: «اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه» السَّبب أنَّ هناك أناسًا يرَوْن الحقَّ باطِلاً، والباطِل حقًّا، فما سِرُّ هذا الدُّعاء؟

السر يكمن فى أن الإنسان له بصَرٌ وبصيرة، فالبصَرُ عَينُهُ التى يرى بها الأشياء وهذه الأشياء لا يخْتَلِفُ عليها اثْنان، الأحمر أحمر، و الأبيض أبيض لكنَّ الخلافَ فى رؤية البصيرة، فهناك إنسانٌ يملك رؤيةً صحيحة استنار بنور الله وهناك إنسان يملك رؤيةً فاسدةً، ابتعد عن الله فعمى قلبُه، وإذا أردتَ أن ترجع كلَّ مشكلاتِ الإنسان يمكن أن نرجعها إلى قلبٍ أعمى؛ يرى الحقَّ باطلا و الباطلَ حقًّا، إذن لأن الإنسانَ يحبُّ نفسَه ووجودَه ويحبُّ سلامةَ وجوده ويحبُّ كمالَ وجوده ويحبُّ استمرار وجوده، لمجرَّد أن يرى رؤيةً صحيحةً يتحرَّك وفق الطريق الصحيح، فالعبرةُ أن تملك هذه الرؤيةَ الصحيحةَ، فالذى يسرق أموال الناس، لماذا يسرق؟

لأنه يرى أن السرقةَ جهدٌ قليل

ودخلٌ كبير، لكنَّ قلبَه الأعمى غفل عن العقاب الأليم وعن السجن المديد، وعن الفضيحة الاجتماعية، فأنْ يرى الإنسان الحقائق بِقَلبِهِ هذا أعظَم كَسْب يَصِل إليه الإنسان المؤمن لأنّ الإنسان إذا رأى الحقيقة سلَكَ طريقَها، وإن كان أعْمَى القلْب تاهَ فى مجالات الحياة فارْتَكَب الأخطاء. أوْضَحُ مثلٍ؛ يُمكن لإنسانٍ أن يرْكَبَ مرْكبةً وعن يَمين الطريق واد وعن يسارِهِ وادٍ آخر، والطُّرق مُتَعَرِّجَة وليس مَعَهُ مِصباح! سُقوطُه فى الوادى حَتْمى.

هكذا هؤلاء القتلة وغيرهم عميت بصائرهم وبصيرتهم، وأصبح السواد الذى يملأ قلوبهم هو المنظار الذى يرون العالم من خلاله.

التعليقات