صديقي محمد رسول الله

صديقي محمد رسول الله

تربّينا على حب الرسول وآل البيت منذ الصغر، هذه نظرة عامة وزاوية واسعة، لكن شخصنة الأمور عادة ما تعطيها بعدًا آخر من التجلّي، وتورّطنا أكثر في تفاصيل نحتاج إليها أشد الاحتياج في لحظات فارقة من حياتنا.

كانت هناك نقطة تحوّل حقيقية وقعت في علاقتي بالرسول، عندما حكى لي أبي حلما رأى نفسه فيه فوق قمة جبل، وهناك صوت آمر يقول له: "نط يا مصطفى.. ما تخافش"، تبيّن فيما بعد أنه صوت النبي محمد شخصيًا!

أبي كان يحكي منفعلا وهو لا يصدّق، إذ لم يكن يرى نفسَه أهلا لأن يعاين النبي محمد، وأن يأتيه على هذه الصورة، وميراثه من العمل الصالح لا يفضُل غيره. هذا الحلم كان الضمادة التي تداوي جراحه كلما شدّت عليه الدنيا قبضتها، ثم إذا به يتحوّل إلى حبل متين يرجو أبي التمسك به يوم لا ظل إلا ظله، وكأنه وثيقة رسمية موقَّعة من لدن خبير عليم بالنجاة من كل سوء في الدنيا والآخرة.

أحسستُ وقتها أن بإمكاني أنا الآخر أن أرى النبي محمد، فهو صديق قريب، يزور وقت الشدة، ويواسي وقت المحنة، ولا يفرّق بين مَلِكٍ وغفير، بل إنه يتجلّى أكثر للمفجوعةِ قلوبُهم، للذين انقطعت بهم السبل، وآيستْ أرواحهم من حياة زائفة لا تُسمن ولا تُغني من جوع، ففرصي في لقائه إذًا أكبر من رئيس الجمهورية نفسه!

وكنتُ دائما ما أراه بخيالي في صورة شيخ أربعيني قوي، ذي لحية كثة، وابتسامة رحيمة لا تغادر شفتيه في أشد المواقف، فاتحا ذراعيه مُرحِّبا على الدوام، ينظر إلى تصرفاتي بعتاب لكن دون يأس، وهو يُدرك أنني يومًا ما سأعود إلى الحق، وإن طال بي المسير في أرض التجربة والخبرة.

ثم من كل تاريخه المهيب، ومواطن عظمته التي سارت بها الشعراء، وكفاحه المرير لتحرير العقول وتغيير مصير الإنسانية جمعاء، كنت أتوقف أمام لمحاتٍ بعينها، تأسرني أكثر من غيرها، ليست في مواطن الحرب والقوة والسلطان والتغيير الجذري، إنما في مواطن الضعف البشري والمواساة وجبران الخواطر والطبطبة، كموقفه من الطفل الصغير أبي عمير الذي مات عصفوره فجلس النبي جواره يواسيه ويضحكه ويسلّيه!

نبي يحمل على عاتقه مصير أمة، يلتفت وسط كل هذا لطفل عمره ثلاث سنوات ويواسيه لفقده عصفورا!

ثم يوم فتح مكة، هذا الأمر الجلل المفصلي الذي سيغير وجه الأرض، فرش النبي الرحيم عباءته لمسنّة من صديقات السيدة خديجة، رآها مقبلة عليه، فاصطفاها لنفسه وظل يتحدث إليها زمنا عن مآثر الراحلة الغالية!

نبي لا ينسى الفضل ولا يتنكر للمعروف ويتذكر الأحياء والأموات بالخير ويتلطف مع الصغير والكبير!

وذلك الرجل الذي يُسرع الخطى إليه فرحا مستبشرا قائلا: "يا رسول الله جئت أبايعك على الهجرة والجهاد، وتركت أبواي يبكيان"، فيقول له عليه الصلاة والسلام: "ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما".

نبي يقدم الأب والأم على الجهاد والهجرة، ويمنح للمقصّرين خريطة إصلاح ما أفسدوا، ويعيد ترتيب الأولويات!

ثم ذلك الأعرابي الذي وقف يوما أمامه، يسأله مزيدا من العطاء قائلا بغلظة: اعدل يا محمد.

فلم يقل له النبي: "اقف مكانك، إنت بتكلم رئيس الجمهورية يا ولد"، ولم يتجاهله تحقيرا لشأنه واستهانة بأثره، ولم يجلجل فيمن حوله: أنا مندوب العناية الإلهية لانتشالكم من الجهل والفقر والمرض وإدخالكم الجنة، فكيف تجرؤون"، إنما ابتسم في وجهه وقال برفق: "ويحك يا أعرابي من يعدل إن لم أعدل؟".

وعندما كان يصلي، ويتسلّق الحسن –ابن فاطمة وعلي- كتفيه، يطيل في السجود كي لا يزعجه!

وعندما كان يسابق عائشة ويلعب معها، يتركها تسبقه!

وإذا عطش أصحابه، يسقيهم أولا، ثم يشرب!

ولما دخل عليه رجل فأصابته رِعدة من هيبته، قال له: "هوّن عليك فإني لست بملك إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد"!

وعندما اتُهم في شرفه وشرف زوجته في حادثة الإفك، لم يُسخّر الآلة الإعلامية لاحتواء الأزمة، أو التشكيك في دين المنتقدين، أو يجنح للسلم ويطلّق زوجته، إنما –وهو رسول الله- انتظر الفَرج كسواه، وأحسَن إلى عائشة في مرضها، حتى كشف الله الغمة!

وروى عبد الله بن عمر: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فانطلق لحاجته فرأينا حمرة معها فرخان فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تفرش، فجاء النبي فقال: من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها"!

محمد رسول الله بالنسبة لي، ليس ذلك المحارب الصنديد وصاحب الرسالة العالمية وإمام الدعاة فقط، إنما كذلك: هذا الطفل اليتيم الذي أنار الله قلبه، فأبى إلا أن ينير قلوب الآخرين.

الذي رغم سلطته وسطوته لم يبت قط شبعانا من شيء دنيوي.

الذي سبقت رحمتُه غضَبه، وإنسانيتُه مطالَبته بحقه، وتواضُعه مكانَته العظيمة.

صديقي ونبيي وحبيبي الذي أرجو شفاعته يوم يحيط بي عملي، وأقف محاصرًا بذنبي على جبل القيامة، فيقول لي كما قال لأبي: "نُط يا حسام ما تخافش"

 

التعليقات