العباقرة

العباقرة

 

كم نحتاج إلى برامج المعرفة التى يمكن من خلالها قياس ما لدينا من معلومات عامة وثقافة، وهى ظاهرة صحية للغاية، ولعل آخر برنامج فى هذا الشأن هو برنامج المنوعات الجماهيرى الذى كان يقدمه على فايق زغلول فى البرنامج العام بعنوان

«الغلط فين» وهو واحد من البرامج المهمة من طراز «صواريخ» وفيها كان هناك مسرح يكتظ بالجماهير، وتعتمد الفكرة على التسابق فى المعلومات، والمواهب، وغيرها، وللأسف فإن هذه البرامج قد تقلصت كثيرا مع دخول الشباب فى طور التطرف الدينى، حيث اعتبر البعض أن ما يحدث هو نوع من اللهو الممنوع، وصارت الحلقات الأخيرة من البرنامج تسجل فى استوديوهات مغلقة، ولم يظهر أحد بعد فايق زغلول يهتم بهذا النوع من البرامج، وتقلصت علاقاتنا بالمعرفة لدرجة أن الناس عزفت عن التعامل مع الكلمات المتقاطعة التى كنا نعتبرها وسيلة مثلى لقضاء وقت الفراغ.

وصرنا فى حالة سطحية من المعرفة، رغم أن النت جاء لتغذية علاقة البشر بالمعرفة، وانتشرت ظواهر سيئة للغاية منها العدد الكبير من المقاهى، وروادها، وانتشار الإدمان بين الشباب، وعليه فإننى أتعامل بإجلال شديد مع فكرة برنامج «العباقرة» الذى يقدمه الروائى عصام يوسف فى قناة «القاهرة والناس»، فهو برنامج يعيد إلينا تقاليد طيبة قديمة، وأكاد أجزم أنه لم يكن له مثيل فى حياتنا،

رغم الصداقة القوية التى كانت تربطنى بالكاتب الراحل عبد التواب يوسف الذى كان أول من فكر فى هذا البرنامج حسبما يذكر ابنه فى عناوين البرنامج، فإننى لم ألتق قط بعصام رغم أننى أتابعه كثيرا، سواء من خلال اسمه، فقد اختارت والدته الكاتبة الكبيرة ماما لبنى ليكون اسم أشهر شخصيات مجلة «سمير» هو اسم عصام، وذلك فى الستينيات من القرن الماضى، أى عندما كان عصام طفلا صغيرا صار بطلا لحكايات الأطفال، وقد عمل عصام فى البيزنس، وخصص فى مكتبه بالمعادى مكتبا لوالده فى السنوات الأخيرة من حياته، وفاجأنا بأن روايته الأولى «ربع جرام» التى طبعها على نفقته الخاصة قد لاقت إقبالا كبيرا يين الشباب، وطبعها عدة مرات.

ليس غريبا على عصام يوسف، وهو ابن لاثنين من جهابذة ثقافة الطفل أن ينفذ فكرة أبيه ويقدم برنامج «العباقرة» وهو الآن فى موسمه الثالث، حيث يتم إجراء مسابقات فى كل ألوان المعرفة بين طلاب المدارس الثانوية من مختلف أنحاء مصر، وتتم التصفيات حتى نصل إلى المركز الأول أسوة بالدورى الكروى، وتستمر الدورة الواحدة فصلا دراسيا كاملا.

فى هذا البرنامج يبدو مستوى طلاب المدارس من المعرفة والذكاء، ويتبارون بحماس شديد على شرف المعرفة، نعم فى الحلقات الأخيرة كان هوس الشباب بالفوز مقاربا لحماس جماهير كرة القدم، وكم رأينا روح الفريق فى الوصول إلى الإجابات، وأيضا الحرص على اختيار أفضل العناصر للمشاركة فى برنامج شعاره المعرفة الصعبة، والمكافأة الأفضل، فكل شىء محسوب بالدقة بالنقاط، وأيضا اللاعب الأفضل الذى يحصل على منحة من إحدى الجامعات الخاصة للدراسة، وهذا دافع جيد للغاية، لذلك تم اختيار اسم الفريق الفائز، وفى البرنامج لا مجال لمحسوبية أو تخمين اعتدناه فى حياتنا، ولا مكان للتردد فى معرفة المعلومة والنطق بها، وللثانية الواحدة قيمة كبرى، والوقت ليس مهدرا، إنها ظاهرة جديدة قى حياتنا كم نحتاج إليها، تعضدها وزارة التربية والتعليم، والبنك الأهلى، وتمتزج فيها الأرقام المالية بالمعرفة والتعليم، وشباب جدد نشهد أنهم يمتلكون من المعرفة والذكاء ما يجعلنا نردد «حماكم الله لبلادكم».

التعليقات