الذوق العام المحاصر بين «ما بلاش من تحت» و«سيب إيدي»

الذوق العام المحاصر بين «ما بلاش من تحت» و«سيب إيدي»

 

في العصرين المملوكي والعثماني، شهد الأدب العربي موجة من التراجع الحاد خاصة في فترة، ما يعرف بما قبل مدرسة الإحياء أو البعث، حتى تندر المؤرخون بنوعية الشعر السائدة حينئذ، والتي أوردوا منها قول أحدهم:

ألا يا أبو حلق طارات ** تبيع الورد بارطالات

وتحط اللحم والفشة ** على الكانون والكرشة

ونتـغدا ونتعشــه ** ونعزم دار أبو كرات

إلى هذه الدرجة من الركاكة بلغ الانحطاط في الآداب والفنون، وبالتبعية في كل مناحي الحياة، لكن هذه الحالة لم تدم طويلا، فقد أعقبتها موجات إبداع غير مسبوقة مع بداية العصر الحديث، حيث استلهم المبدعون إبداعاتهم، من الوازع الوطني الذي أيقظ تلك الإبداعات التي لا تحركها إلا الروح الوطنية التي تؤمن بوطنها ولا يشغلها سوى قضاياه.

مثل هذه الحالة من التدني في الذوق العام شاعت أيضا لسنوات طويلة في عشرينات القرن الماضي، فقد مرت سنوات كثيرة، والمصريون غارقون في بحر من الإسفاف الفني، الذي شمل أغاني ركيكة وأخرى ذات لحن وكلمات مُسفة.

في هذه الفترة لمع نجم ملكة "الكُخة والدحة" كما أطلق عليها الجمهور، وهي رتيبة أحمد، وذلك بعدما أغنت "أنا لسه في الحب نونو"، والتي تقول فيها "الحب دح دح والهجر كُخ كُخ"، فضلًا عن أُغنية "يا أنا يا أمك"، كما غنت"تعالى يا شاطر نروح القناطر" والتي تضمنت كوبلية "هات القزازة وأقعد لاعبني المزة طازة والحال عاجبني".

سيد درويش نفسه غنى أغنية "وأنا مالي ما هي إللي قالتلي"، التي أثارت اندهاش الجمهور مُتسائلًا كيف يقبل سيد درويش أن يتغنى بأغنية تحمل الكثير من الإيحاءات الجنسية، مما دفع درويش لإسنادها إلى المُطربة أمينة القبانية

وضمن أغاني مسرحيات فرقة جورج أبيض، جاءت أغنية"جننتيني يا بت يا بيضة"، والتي تضمنت أيضا إيحاءات جنسية  فجة، أما عن سُلطانة الطرب منيرة المهدية فتخطت الحدود، وتغنت بأغاني قمة في الإسفاف، حيث قدمت أغنية "إرخي الستارة"، كما غنت "بعد العشا يحلى السهر والفرفشة"، وفي نفس الاتجاه، قدم صالح أفندي عبد الحي "لابسة الشراب لحم الهانم".

أم كلثوم هي الأخرى لم تسلم من الوقوع في نفس الفخ، حيث غنت في بداية مشوارها الفني "الخلاعة والدلاعة مذهبي".

هذه فقط مجرد نماذج لأغاني هابطة قد شاعت في فترات مختلفة، لكنها عادة ما يطويها النسيان ولا يبقى إلا الفن الحقيقي تتوارثه الأجيال.

أتحدث عن هذا بمناسبة موجة الإسفاف والأغاني الهابطة التي تلوث الوسط الفني في الوقت الراهن، فما بين "الشبشب ضاع" و"ما بلاش من تحت يا حوده"، ومن قبلهما " أديك في الجركن تركن" تُحيا كل الأفراح الشعبية وغير الشعبية أيضا في كثير من الأحيان، وعلى وقع هذه الأغنيات تسير كل التكاتك في مصر، ومعظم الميايكروباصات. 

وعلى وقع هذه الأغنيات أيضا يتشكل الذوق العام لجيل كامل، ينحرف عن الكلمات المعبرة، واللحن المؤثر، والصوت الشجي.

كان لزاما إما أن تستتبع هذه الموجة، إما باستفاقة، كما حدث في عشرينات القرن الماضي التي أعقبها جيل العملاقة، أو تنحدر إلى مزيد من الإسفاف والتدني، فلم نفق إلا على وقع أغنية وكيب "سيب إيدي".

وأظن أن الوضع سوف يستمر في هذا التدني ما لم تكن هناك صحوة وطنية توقظ الإبداع في شتى مجالاته.

هذه الصحوة لن تتحقق إلا يقتصر الإبداع على المبدعين الحقيقيين وينقى من الدخلاء عليه، الذين أوهموا أنفسهم بأنه مبدعون بحق.

ولكن المحير بالفعل هو ذلك السؤال الذي طالما سألته لنفسي، وهو من أين لهؤلاء هذه الثقة بالنفس؟ ومن أين لهم هذا الإحساس بمكانتهم والشعور بمدى أهميتهم؟ لأن هذا الشعور بالزهو لم يأته ممن فراغ ولم يكتسبوه هكذا من تلقاء أنفسهم ولكن لابد أن هناك منظومة مختلة وجزء مفتقد من الحلقة هو الذي أدي إلى انقلاب الأوضاع إلى هذا الحد وهو الذي جعل الأمور تجري في عكس الاتجاه الذي من المفترض أن تسير فيه، فطفي هؤلاء وأمثالهم على السطح، وبلغوا مبالغ ما كان لهم أن يتبوؤها، الأمر الذي جعل من أنصاف الموهوبين نجوما، ولا اخص بذلك أصحاب مهنة بعينها ولكنها للأسف الشديد أصبحت ظاهرة عامة مثل الوباء الذي تفشى في جميع المهن، في التمثيل والغناء والأدب والصحافة والرياضة، وهذه من وجهة نظري هي أزمة الإبداع الحقيقية، أزمة أخذت بأيدي كثير من غير المستحقين إلى منصات النجومية في وقت تركت فيه كثير من الموهوبين يعانون من التجاهل والتهميش وعدم الإنصاف.

وعلى الرغم من خطورة هذا التجاهل في نشر روح الإحباط بين أصحاب الخبرة والموهبة إلا أن المكمن الحقيقي للخطورة ينطوي تحت الآثار بعيدة المدى المترتبة على ذلك، وأعني بهذه الآثار ما قد يحدث على المدى الطويل من إفساد، قد يكون غير متعمد لكنه في النهاية إفساد يتساوى فيه المتعمد مع غير المتعمد، إفساد للذوق العام، إفساد لا يستطيع الناس معه التمييز بين إبداعات أصحاب المواهب الحقيقية وبين المدعين، ثم يعزف الناس عن الجميع، عن الفنون الحقيقية، لأنهم لا يعرفون قيمتها، أو بتعبير أدق لم تعتد آذانهم على ولا مشاعرهم على الإبداعات الجيدة، ولأنهم بطبيعة الحال لن يستهويهم ما ينتجه أنصاف الموهوبين، وهنا تضيع الإبداعات وتضيع معها الرسالة التي يمكن أن تسهم بها في تنوير المجتمع.

التعليقات