الفروسية بين ماضينا وحاضرنا

8/18/2019 9:37:21 PM
116
كتاب اليوم الجديد

حسن السعدي


فى غمرة ما يسيطر على حياتنا اليومية من أحداث على كافة الأصعدة تتوق النفس إلى حدث ثقافى يخرج بنا من دوائر الهم اليومى إلى ساحات الفكر والثقافة الأكثر رحابة والأعمق رسوخا. حقيقة أن حظَّ الملتقيات الثقافية المتخصصة من الدعاية والإعلان بات قليلا، إلا أنها دائما ما تترك أثرا ممتدا، بحُكم سعى أهل الاختصاص والاهتمام لاستدعائها أبحاثا وتوصيات. ومن هذه الملتقيات المؤتمر الذى نظمه مركز الحضارة الإسلامية بمكتبة الإسكندرية منذ أيام خلت عن " الفروسية والفنون الحربية فى عصر سلاطين المماليك". حيث تناول الحضور العرب والأجانب والمصريون، وعلى مدار يومين، كلَّ ما يتعلق بالفروسية كفن حربى ألقى بظلاله على المجتمع الإسلامى بعامة والمصرى بخاصة خلال العصر المملوكى، وإن ظلَّت نتائجه وتداعياته على المستويين السياسى والاجتماعى شاخصة لأبعد من العصر مناط الدراسة. ومن هنا يأتى الاختيار، بمثابة التوجه غير التقليدى، فى مجال دراسات الحضارة الإسلامية التى يعنى بها مركز الحضارة الإسلامية، فى ظل الإشراف الأكاديمى لمستشار المكتبة الباحث المتميز الدكتور أيمن فؤاد سيد، والدكتور محمد الجمل مدير المركز الواعد، وفقا لسياسة تعنى بالتكامل بين البعد الأكاديمى والدور الثقافى للمكتبة، منذ تولى الدكتور مصطفى الفقى إدارتها بمفهوم عصرى جديد.

 ومما لا شك فيه أن الفروسية لم تكن مجرد عنصر من عناصر المنظومة الحربية فى العصور التى شهدتها، لكنها عكست عددا من الشواهد التاريخية الشاخصة على مستوى التحول الإجتماعى، فى مجتمعات العصور الوسطى فى أوروبا فضلا عن قيمتها الإيجابية فى العصور القديمة رغم تباين المسميات. ومن ثم لم يكن مستغربا أن ترتبط الفروسية بالنبالة ليصبح الفرسان والنبلاء قرينان حتى إذا ما اندثر سلاح الفرسان من المنظومة العسكرية مع تقدم فنون القتال، ظلت النبالة ممثلة فى نبلاء العصر، أى عصر، مؤكدةً على أصالة الفروسية سلوكا، مثلما كانت تميزا ورقيا عسكريا من قبل. لذا فقد باتت أخلاق الفرسان كلمة تتردد إلى يومنا هذا فى عدد من المجتمعات مع اختلاف ثقافاتها ومشاربها، بل وصل الأمر بأن باتت الأوسمة من طبقة فارس من أعلى الأوسمة التكريمية فى العديد من دول العالم المتحضر التى بلغت شأوا لا ينافس على المستوى العسكرى وفنونه. ومع ذلك بقيت الفروسية كتراث ما أحوجنا لتمثل قيمه واستدعائها من ذاكرة التاريخ، بما تحمله من قيم النبالة التى باتت تسبغها على كل من خدم الإنسانية خدمات نبيلة، بغض النظر عن الانتماء القومى أو العرقى أو الانتساب المهنى.

من هنا جاءت قيمة مؤتمر الفروسية حيث تعدَّت توصياته الحيز الأكاديمى، المرتبط بمضمون الأبحاث على قيمتها وأصالتها، لتخرج بنا إلى المطالبة بتنمية كل ما يرتبط بالفروسية من جوانب تتسم بالاستدامة والحيوية. لأنها سوف تعطى المثل فى أن من حق الأجيال الجديدة، وهى تتلمس عناصر هويتها على مستوى المواطنة والعمق التاريخى أن تجد فى الفروسية كمفهوم قديم متجدد ضالتها المنشودة، بما انطوت عليه من قيم وسلوكيات تجعل من يتمثلها يستشعر حضورا إنسانيا من نوع فريد، قوامه التواصل الإيجابى بين قيم الإنسانية المستدامة والحاضر المُعاش. وهو ما نجح المؤتمر فى تأكيده كنموذج أمل أن يمثل باكورة متميزة لإحياء القيم الحضارية للإنسانية جمعاء، من خلال شواهد التاريخ التى ينبغى من تصدرها المشهد لتتوارى خلفها مفاهيم التنظير الأصم أو التناول الجامد. عسانا نساهم بوضع لبنة فى البناء القيمى المنشود لصالح أجيال الغد.  

كاتب المقال

حسن السعدي

أستاذ الحضارة المصرية بآداب الإسكندرية

اليوم الجديد