الطموح الزائد.. قاتل

8/18/2019 9:34:01 PM
165
كتاب اليوم الجديد

حسام الأشقر


 

فى رائعته "ماكبث" تطرَّق ويليام شكسبير لأمر هام يصيب الكثير منا، وهو الطموح الزائد، والذى ينتهى بصاحبه بتراجيديا مأساوية لا يملك بشأنها إلا الندم. فمسرحية شكسبير تعرض للبطل ماكبث وزوجته ليدى ماكبث وكيف قادهما طموحهما اللانهائى إلى قتل الملك دنكان التى يعمل زوجها ماكبث تحت قيادته. خاناه وقتلاه بعد أن دعياه إلى العشاء فى قلعتيهما، وتفننت الليدى ماكبث فى التخطيط للجريمة، وتلطيخ أيدى الحراس بالدماء، بعد أن أسكرتهم حتى يبدو الأمر وكأنهما القاتلون. لم تردعهما دوافع إنسانية، ولم يوقف تيار طموحهما الجارف أى تردد.. غاب العقل واختفت العاطفة، وخفت البصر وتاهت البصيرة تحت وطأة وجموح الطموح القاتل، وعندما استشعر ماكبث بعض الندم بعيد الجريمة، وشكى لها بأن يديه الملطختين بالدماء لن تكفى بحار العالم لتطهيرهما، فما كان منها إلا أن استهانت بالأمر، وأكدت أن قليلا من الماء يكفى لإزالة الدماء منهما، ولم يثنها عن دوافعها إلا إثبات زوجها على ما أرادت. وانتهى الأمر بهما بنهاية مأساوية مشابهة لنهاية ضحيتهما. كان هذا هو النوع القاتل من الطموح القاتل الذى غالبا ما يودى بصاحبه إلى نهاية مأساوية.

ليس فى حديثى هذا أى نهى عن الطموح، على العكس فهو أمر مشروع ومقبول ومطلوب، طالما أنه فى حدود المنطق والعقل، لكن إذا ذهب الطموح بصاحبه بعيدا عن أرض الواقع وخلا به إلى أفقٍ غير محدود وقطع من خلاله مسافات شاسعة بلا عودة، هنا يقبع الخطر بعينه وتقرع أجراس الخطر.

والرسالة هنا إلى جيل الشباب.. من حقك أن تطمح فى تحقيق ذاتك وأحلامك، لكن اجعل واقعك هو نقطة الانطلاق، واربط بين معطياته وخيالك. فلا تطلق العنان على آخره لما تصبو إليه، لكن قسّم حياتك إلى مراحل، أولها أن تثبّت قدميك أينما يكون لك الرزق والعيش. اجتهد فى هذا الموقع أينما كان. ستمرُّ عليك السنوات وأنت تكافح وتجاهد، وربما لن يكون لديك من الفائض المادى ما يرضيك وتطمح إليه، لكن فى تلك المرحله يكفيك اكتساب وإتقان ما تعمل، كما يكفيك إدراك معنى الشقاء والصبر والجَلَد والمثابرة. ولسوف يأتى اليوم الذى تستشعر فيه أنك تقدمت فى موقعك، وأصبح لديك من الخبرات ما يجعلك أكثر ثباتا، وتلك هى أكثر ملامح المرحلة الثانية، التى تتميز بالتغيير الذى طرأ على أدائك ويكون غالبا تغيير إلى الأفضل طالما أنك صبرت على ما قُدِّر لك، ولن يخذل الله مجتهدا طالما توكل عليه، وأخذ بالأسباب، وآمن بأنه هناك دائما أمل طالما هناك حياة وقلب ينبض.

والمرحلة الثالثة تتميز بجنى ثمار الجهد الذى بُذل عبر السنوات، فأنت قد أصبحت أكثر خبرة وعلما، ستأتيك الفرص تباعا وسيكون لديك رفاهية الاختيار منها، فأنت لم تضع وقتا فى الانتظار والإحباط ولم يصبك اليأس، بل اجتهدت قدر استطاعتك واكتسبت من المهارات ما يسّر إليك الترقى إلى الأفضل. وثِق أن لا أحد بدأ كبيرا ثريا مرموقا، وقصص الناجحين فيها من الغرائب ما يُدهش ومن الدروس مايدعو للتأمل.. فقط اصعد درجات السلم واحدة واحدة.. لا تحاول القفز حتى لا تسقط أو تصاب.. فكل درجة ترتقيها تزيدك قوة وخبرة وتحمل.

هكذا حال سلم الطموح.. جعله متدرجا وخذ العبرة والعظة ممن سبقوك ولاتسخر منهم.. ولا تحاول كسر حاجز الواقع، حتى لا تشكل حاجزا بينك وبن طموحاتك. فالحياة جميلة بما فيها من جهد وكفاح وشقاء، وبما تحمله من سعادة بنتائج ذلك الكفاح حتى لو تأخر نسبيا. ولسوف تسرد لأبنائك وأحفادك كم كانت الأمور مستحيلة أحيانا ومحبطة أحيانا أخرى، ولسوف تفخر بأن تخبرهم بأنك صارعت وكافحت وانتصرت على كل تلك الصعاب حتى أتاك ماتطمح إليه.

فاجعل طموحك داخل مجال المنطق.. وتزود بمعطيات الواقع.

 

كاتب المقال

حسام الأشقر

اليوم الجديد