سأسرد خيباتى وأنتحر

8/16/2019 7:21:04 PM
40
قراء اليوم الجديد

براء موسى

لست ماهراً بالسرد، لست ماهراً في شيءٍ حقيقةً ، ولا حتى بالانتحار ..


نص على ألسن الرجال.

 

لست ماهراً بالسرد، لست ماهراً في شيءٍ حقيقةً ، ولا حتى بالانتحار .. أبحث عن الأساليب الأنجع كل يوم في جوجل، اللعنة على من اخترعه .. اللعنة على من يريد تسهيل هذه الحياة النتنة ، يظنون أنّهم بهذا يتمكنون من تناسي خيباتنا فيها ، لا وبالحق الذي لا نعلمه لا يقدرون ! 
يستغفلوننا ذوي البدلات السخيفة على التلفاز ويقررون عنا ما نفعل ، يقولون " طريق الألف ميل يبدأ بميل " ، نسوا أن الألف ميل يمكن تجاوزه ب"واسطة" واحدة ، نثق بأنفسنا فنخطو ميلاً ولا نعود نقف من بعده ، نظل متسمرّين والوجهة الأمامية يسخر فيها تسعمائة وتسعة وتسعين ميلاً وَعِرْين منا لا يصلحون للعبور ولا للرؤية حتى ، والوجهة الخلفية أُناس يحاولون من بعدنا تأمّلاً بمجد الألف ، لو أننا نخبرهم .. لو أننا نقدر على الرجوع أو حتى على الصراخ ، لكن لا أحبال عنا .. أحبالُ أحلامنا قُطعت وأحبال أصواتنا بُحت . 
أريد أن أسرد ، أسرُد خيباتي ثم .. أنتحرْ .
كيف عساي أحصيهم ؟ كيف عساي أنسقهم ؟ كيف عليَّ أن أجعلكم تبكون من بعدي ؟ كيف على خيباتي أن تكون ناجحة الآن لجعلي أنتحر ؟ كيف أسرد خيباتي عن بعضكم ؟ كيف أجعل من موتي خيبة عند أحدكم ؟

 

سأطمئن نفسي بأنه لن يكون رحيلي خيبة لأحد ومن هنا "فخيبتي الأولى":
كانت أنا .. أنا كنتُ خيبتي ، أنا الخائف من نفسي ومنكم ، أنا الذي لا يقوى أن يقول لا في وجه من قالوا نعم ولا أن يقول نعم معهم أيضاً ، أنا الذي أقدّر مواقف الآخرين على حساب موقفي الذي لا أدركه ، أنا الضعيف الجبان ..لا أسبّ نفسي الآن ، أنا أذكرها بما فعلت فقط وكل نفس بما فعلت رهينة ولو ألقت معاذيرها ، أنا الذي حين علمتْ تُقت للجهل ، دعوت أن أجهل بالجهل حتى! أنا الحائر من السؤال و الخائف من الإجابة ، أنا المتردد أمام صدق عيون قلبي ، أنا الذي أخفي الحب وأظهر الريبة ، أنا المتعلّق بالأمل والطافي على ضفاف الخلاص لا أجد إليه سبيلاً ، أنا أفضل من مارس ما يكره، أنا سيء وجبان ويجبُ أن تنتهي حياتي .
"الخيبة الثانية"
،لم يعد يعرف النوم طريقاً إلي .. استحضار خيباتي أبعدَ عالم الوهم الذي نعيشه كل ليلة من طريقي واستبدله بعيونٍ غير صالحة للعيش الدنيوي .
"الخيبة الثالثة" 
الإنسان .. كانت خيبة الإنسانية تستنزف مني كل يوم أكثر ، كنت أعطيها وجودي فألغته ، ظننتُ أن الإنسان يستحق هذا المجهود الذي أبذل فما كان مني إلا أن ألعن وجوده الذي زاد على هذه الأرض سخطاً .
"الخيبة الرابعة":
الإنسان .. أمضيتُ عمري بأكمله في كذبة " المثالية " بعتُ له المثالية تحت شعار" لا ألم بعد اليوم" ولم يمر يوم أو بعده إلا بألم ، بعتُ له مضادات الاكتئاب وأدوية الحيوية وكتابات الروح ، أي كل مقومات الحياة المثالية وأنا الذي لم أكن قادراً على أن أوفر لنفسي حياة .
"الخيبة الخامسة":
الإنسان .. قيل " من لا يتطور يمت " كيف ونحن نتطور بأجسادنا الميتة ؟ كل دقيقة نتطور فيها نهرم أكثر ونموت بالأوجع! كل وسيلة نهرب بها من الموت يكون هو دافعنا من الخلف ، كل طريقة نتفاخر بها بعلاجٍ أمام المرض يسدّها ، كل تاريخ خططناه محته الحياة وضحكتْ .
"الخيبة السادسة":
لاجئي الحروب ، لم أكن أدري ان البحار هي الوطن الأحن ولا أن الحدود هي المستقر ولم أكن أدري أن أوطاننا ستكفر بنا وتهجرّنا منها صفراً خائباً ولا أنها ستضيق بنا إلى الحد الذي ننظر إلى الموت فيه كورقة رابحة ، لا المقاومة ولا المعارضة ولا الولاء ولا العروبة ولا الوطنية أنقذوا "بحر " _أحد أطفال قصتنا المنتهية _من البحر . 
"الخيبة السابعة":
الزمن ، كيف يمر الوقت دون أن يستأذن منا ؟ كيف يقرر عنا انتهاء قصصنا ؟ كيف يعلن البدايات ويختم النهايات دون سؤالنا ؟ كيف يصادق النسيان ويعادينا ؟ كيف بسهولةٍ يمحينا ؟ كيف يقوّل عنا لمن بعدنا ما لم نقل ؟ كيف يسرق منا أجمل ما فينا ؟ كيف يعظم ما استصغرناه ويصغر ما عظمناه ؟ كيف يقتل بعفة أمانينا ؟ كيف يحيي بصمت أوهامنا ؟ كيف يرينا ما عمينا عنه و يعمينا عما نبحث ؟ كيف يرتدّ عن تفاصيلنا ويكفر بأحداثنا ؟ كيف يخون الزمن .. كيف يخون الزمن الأمل ؟ 
"الخيبة الثامنة":
أنتِ .. منكِ تبدأ الخيبات ، أضحك على نفسي فأسرد خيبات حياتي والتي لا تشكل باجتماعها خيبة واحدة ، أنتِ كل الخيبات ، أنتِ كل الأوجاع ، باسمك أنهار وبوجهك أتلظى وبصوتك تعود الحياة إلى ما قبل الانفجار العظيم فأكون أنا فيها لا شيء .
"الخيبة التاسعة": 
أنتِ .. لم أكن أعلم أن لدى عظمتي رقبتك البارزتين كل هذا التأثير وحيز التفكير الذي تسلبانه مني ، ولم أكن أعلم أن لكتفك هذه القدسية في سرّي ، ولم أكن أعلم أن خصل شعرك المنسدل تلفُ دماغي وتحاصره لكنّي علمت أنك أنثى لا تسمح لأنثى بعدها بتجاوزها وأنك الحد الفاصل بين النساء وآلهتهنّ .
"الخيبة العاشرة": 
أنتِ .. أحببتك حتى يأتيني منك اليقين ولا يقين من عندك ، أسمعتِ عبدالوهاب عندما قال " على قلبي خان الأمل " هل نحن من نخون الأمل ؟ أم الأمل هو الخائن ؟ تركني بانتظار يقينك وتركته يسلبني مني كل يوم أكثر ، اليوم سأجرب لمرّة أن أترك أنا .. دائماً ما يقدمني الخذلان كقربانٍ لكل القصص .. أريدُ أن أكفر لمرة واحدة ولو بنفسي وأفلتك تتوهين مني.
"الخيبة الحادية عشر":
أنتِ .. كنتِ تائهة مني وأنا التائه فيكِ ، في اللحظة التي تخترقينني فيها لا أكون في هذا العالم القذر مع أشباه البشر هؤلاء ، أصعد إلى السماء فأرى القمر وأخبره عنكِ .
"الخيبة الثانية عشر": 
أنتِ .. مؤمنة أنتِ وإيمانك يخلق بيننا الكثير من الهالات التي لا أقدر أن أعدّيها .. أمقت ما تؤمنين به ، لن أقف على خط سواء معهم بعمري يوماً ، وأخاف أن أطلب منك أن تؤمنين بي فأعصيكِ وتحكمين علي أن أعيش بجحيم حبّك الأبدي .
"الخيبة الثالثة عشر":
أنتِ .. رفضتِ وردتي زعماً منك بأنه علينا أن لا نبني سعادتنا على موت آخرين ، في بلادي لا نسمع إلا أصوات الاحتفال بالشهداء التي تطغى على أنين أمهاتهم ، في بلادي نحرّم الرقص إلا في استثناءٍ واحد .. الرقص للمغتصب ، الرقص للعدوْ ، في بلادي نموت نحن ويموت الوطن ، وأنتِ حزينة على موت وردة ؟ أتدرين كم قتلتُ نفسي لتسعدي ؟ لا أحد يعلم بموت الأحرار ، لا أحد يبكي على موت الأخيار . 
"الخيبة الرابعة عشر":
أنتِ ، عصيّة أنتِ عن البدء .. متمسكةٌ أنتِ بعدم العودة وبعيدةٌ أنتِ عن الغفران .
"الخيبة الرابعة عشر":
أنتِ ، غيابك حضور في الذهن وحضورك استعمار للقلب ، سعيتُ لأن لا ننتمي لهذا العالم ، حاولت أن أهربك منه لكنني أيقنت أن هذه الأرض بدونك تفنى و هذا العالم بفقدان جمالك يُقضى على سكانه ولا تظنين أنني أسعى له بالخير. وجودك اليوم باهت ويقتلني لذا سأسارع بقتل نفسي حتى لا تشعرين بالذنب أنك كنت سبباً في موتي .
"الخيبة الخامسة عشر":
أنتِ ، لا تبكي يا عزيزتي ، النساء من أمثالك دموعهن تكوينا ، لا تُحدّثي عني من بعدي ، لا توثقي وجودي بكلماتك ولا تغني شعوراً اتجاهي فأحيا ، لا تكترثي لعزائي ولا تواسي أحداً ، لا تحاولي من بعدي حبّاً فتقتليني ميتاً .
"المفاجأة الخائبة السادسة عشر": 
السرْد ، سرْدتُ خيباتي ، يوجعنا سرد قصصنا أكثر من قصصنا ذاتها ، الإجهار بالحب معصيّة حقاً ، نعصي فيها القدر الذي يبعده عنا ، قد لا يسامح رامي القدر سرْدي وقد ينسيني كل أوجاعه فهو القادر سبحانه ، سيحتل سرْدي رفوفكم ويُزيّن بكائياتكم ولن يلبث حتى يُنسى كأنه حقاً لم يكن .
"الخيبة السابعة عشر" :
لا يُتوقع لرجلٍ مثلي أن تخيب حياته ولا يخيب انتحاره ، خيبتي بنفسي أنّي جبان صدّقتْ كل الخيبات الأخرى وخيبة تعلّقي بالأمل تنبئني بقادمٍ أسعى له ، وأنتِ .. أنتِ لم تقرري انتهائي بعد ، وأنتْ .. لا زال عندك أنتْ الكثير مما أبحث عنه ولا أجده ، سنكتشف متأخرين بأن من ينتحر لا يحمل خيباتنا هذه كلها ، المُنتحر يخاف هذا العالم بكل جرأة ليفقده أما نحن نتشبث بهذه الحياة التي لا تشبهنا .. ربما للاشيء .. ربما لأجل كل شيء .. على الأقل تشبثنا يرّدُ الاعتبار لخيباتنا ، لن أنتحر ؛ أريدُ أن أظل قادراً على سرد خيباتٍ أخرى وحين تقررين أنتِ والقدر خلاصي سأقدّم لكم سيلاً من سرد الخيبات كاعتذارٍ مني عن الحياة.
اليوم الجديد