لماذا وُجِد الشر؟

603
قراء اليوم الجديد

بدر السروي


قبل أسابيع، ربما أشهر، لا تسعفني ذاكرتي الضعيفة، تعرضت لإساءات متتالية، وكنت أتجاوزها سريعًا لأنني بطبعي لا أحب الجدال، أو أصبحت، فيمكنني إنهاء نقاش ما بكلمات بسيطة، ثقيلة على نفسي، كـ"آسفة" و"لنتجاوز الأمر" لأريح عقلي من هذا العناء ولأحتفظ بعلاقاتي الإجتماعية، فمنذ عزل "مرسي"، وما تلاه من أحداث، انتهى عهدنا بالنفس الطويل في النقاش، والذي كان أحد أهم نتائج الثورة. الثورة! ما الذي أتى بي إلى هنا؟ كنت أتحدث عن شيء شخصي. نعم، الإساءة، قلت أنني كنت أتجاوزها، لكن الفترة الماضية، بعد إساءات جديدة، وبجملة الرزايا، اكتشفت أنني، برغم ذاكرتي الضعيفة، لم أنس، وبكيتها جميعا، لكن كان السؤال: لماذا؟

أختي وانا، سرنا في شارع هادئ ليلا، كانت تحاول مساعدتي، لكن هذا الهدوء كان فرصة ذهبية للصراخ، صرخت على من كنت أنظر إلى السماء وأناجيه بأغاني الحب: "بعيد عنك حياتي عذاب، ما تبعدنيش بعيد عنك"، هذه المرة نظرت لأعلى، كعادة المرء حين يكلم إلاها، قلت له: لماذا أوجدت كل هذا؟ ولماذا يُساء إلي؟ ما ذنبي؟ لماذا لا أنسى؟ هل تسمعني!

شاهدت حلقة من المسلسل الوثائقي "قصة الإله" والذي يقدمه الممثل الأمريكي "مورجان فريمان" بعنوان: لماذا وُجِد الشر؟ ذهب الرجل إلى أماكن كثيرة، يبحث عن مصدر الشرور وأسبابها، في عدة أديان وثقافات، المسيحية والزرادشتية، والفرعونية، وبعض ثقافات الهند، كان يسألهم عن مصدر الشر.

في الحقيقة لم يتفقوا، إجابات متباينة: الشيطان، الأرواح الشريرة الغير سعيدة في الحياة الأخرى، قوى الطبيعة، إذن هل الإنسان غير قادر على التحكم بذاته؟ هل الحياة عبثية!

تعرض الحلقة تجربة أجراها طبيب استرالي على مجموعة من الأطفال، كانت اللعبة أن يقف كل طفل في غرفة وحده، على مسافة معينة من لوح نيشان، ويصوب عليه كرات، والفائز من يصوب على أعلى رقم في اللوحة، والطبيب يتابعهم بكاميرات مراقبة، دون علمهم بالطبع. بدأت اللعبة، الغريب، أن كل الأطفال غشوا! أعاد الطبيب التجربة، هذه المرة أخبرهم أن شخص خفي يقبع معهم في الغرفة، أغلب الأطفال هنا لم يغشوا، ليخرج الطبيب بنتيجة مهمة، وهي أننا بحاجة إلى الإحساس بالمراقبة، إحساس بقوة خفية أكبر منا، من هنا كانت الأديان.

العجوز الأسمر ذو الصوت الرخيم، أجرى مقابلة مع شخص كان في وقت هو الشر نفسه، كان عضوا في جماعة نازية، يقول أنه كان يأذي لأجل الأذى، كان يكره العالم ويتمنى له الألم، إلى أن أحب امرأة وتزوجها، وأنجب طفلا، وقتها بدأ يفتش عن نفسه، وبعد أن كان وثنيا توصل لوجود إله، وتحول إلى شخص آخر تماما، يزيل الوشوم التي كانت تملأ وجهة، بطريقة مؤلمة بالطبع، ومع كل ألم يتمنى لو كان يكفر عن أخطاءه.

ومن مرسم للوشوم ينتقل مورجان فريمان إلى سجن مشدد، ليقابل مجرما اغتصب أربعا وعشرين امرأة، قتل منهن ثلاثة، وسأله هل تشعر بالندم؟ لكن الرجل أخبره أنه لا يشعر بشيء على الإطلاق، ولو خرج من السجن فالعالم غير آمن في وجود إنسان مثله. لكن باطلاع مورجان فيرمان على الحالة الصحية للرجل، أخبره الطبيب أنه يعاني من ضعف في الوصلات العصبية بالمخ.. ذنب من إذن؟

تنتهي الحلقة بالإجابة التقليدية، والصادقة إلى حد عدم التأثر بها وقت الأزمات، وهي أننا نعرف الشيء بضده، فنعرف معنى الجمال بمعايشة القبح، كذلك الخير، لا نعلمه يقينا، ولا نمتن لوجوده إلا إذا مسنا الشر ورأيناه، الجريمة الأولى على الأرض فعلها الإنسان بكامل إرادته، القتل، يبدو أن هذا هو جوهر بشريتنا، تنازع الخير والشر، والبطل الحقيقي، من يكبح رغبته، وفق قوانين تنظمها الأديان، أو التشريعات الوضعية، أو ضمير الإنسان ذاته.

إذن هذه هي الإجابة النموذجية، تريحني بعض الشيء، لم توجد الحياة لتكون عادلة أصلا، هي تجربة، من يؤمنون بحياة أخرى بنسبة ليست قليلة غير ناقمون، يأملون أن يعبروا الطريق، حيث الناصية الأخرى، مكان يستردون فيه حقوقهم، تنتهي التجربة، وربما وقتها نعرف الإجابة وتقنعنا، هذا هو الأمل الوحيد.

اليوم الجديد