مشاهدات من رحلة النور إلى بيت الله وروضة الحبيب

8/9/2019 6:29:14 PM
341
قراء اليوم الجديد

شيماء عيسي


أطوف وألبي بقلبي مع حجاج بيت الله الحرام،كما يفعل كثير من المسلمين في مثل هذه الأيام المباركات، وأنشد مع طفلاي "ودّيلي سلامي يا رايح الحرم وادعيلي وسلملي على هادي الأمم"، وقد آنست بجانب الكعبة قبل ثلاثة أعوام اطمئنانا عجيبا لازال يسري في دمي..

أذكر  في رحلتي كيف كان كل شيء ذا خصوصية فريدة؛ كانت الأوقات تقضى في تسبيح يأتيني كلما نظرت إلى السماء الصافية وأنوارها وأنا أجلس على أرض باردة بيضاء مشرفة بقلبي ووجسدي صوب الكعبة مباشرة.. أتوقف عند خاتمة إحدى آيات القرآن، لأجد لساني يردد اسم الله الذي تحمله عشرات المرات "يا ودود" او "يا مالك الملك" أو "يا سميع بصير"، لأنك هناك تدرك حقا معنى هذا الاسم

أشرد في أضواء بعيدة فتلتحم كتل البياض للحجاج في عيني فتتحول كتلة واحدة تدور في مركز الكون.. هنا كل الجنسيات والألسنة والألوان مختلفة، ولكن القلوب متشابهة متعارفة ودودة قريبة بيضاء تماما كأردية أصحابها.

وحين تبدأ طوافك حول الكعبة، ترى كيف تتحلل من عقدك في كل شوط، تتحلل من قيودك تتحرر كطائر طليق، تهيم وتصبح قدماك زائدتان على حركتك الذاتية المنسحبة من الدنيا وهمومها ومخاوفها والمنغمسة في كتلة النور الشافية للأجساد المنهكة..

لم أعرف لمكان مهابة مثل مكة؛ فحين تشاهدها تأخذ بلبك وروحك وتحتويك فترفع يدك بالسلام والدمع ينهمر داعيا أن يظل الحرم آمنا، وتظل مع كل شوط في الطواف في حالة اكتمال، وقد آلمك نقصانك، تدري أنك في مركز اليقين وسط بحار الشك، أنك إلى جوار البيت، يتلاحم ابتهالك مع ابتهالات أخرى تأتيك من أجناس المعمورة، هذا الصوت الشجي لا أنساه لقائد وفد آسيوي، وهو يتلو الآيات ويرفع الأدعية ويصدح وينشد.. هنا حقا يتجدد العهد مع الرب الخالق

رائحة المسك التي تمس روحك كلما أشرفت على المسجد الحرام.. تغشى أنفك فتزيل وحشتك لتحل محلها ألفة وسكينة تلائم رحلة مقدسة

الصلاة التي تدرك لأول مرة حقيقتها بقلبك بعد أن تخلى عن غفلته وانتبه.. صلاة جامعة حقا، مهيبة، تستقيم لها حياتك المقبلة وليس أيام الحج وحدها، هنا تشعر بمعنى "الله أكبر"، فلا ترى سواه، هنا تعد عدتك كي لا تتأخر، تتحمل المشاق بمحبة، لقد تدافع المصلون أمامي للحاق بما بقي من ساحة ملحقة بالمسجد الحرام، بعد أن امتلأ وأدواره عن آخرهم بالمصلين، لا يأبهون بلهيب الشمس، لأن ذكر الله يظلهم

في طيبة يتقلص حجم الدنيا، فلا تكرهها، وإنما تنظر لها كاستراحة في صحراء طويلة ممتدة، فيصبح كل ما طالعته بعينك عما بقي من حقائق الرحلة في البرزخ ويوم الدين، حالة تعايشها بعين اليقين..

في طيبة ترى جبل النور الشاهق الذي واظب النبي على صعوده للتعبد والتبتل قبل بعثته، تصعد إلى ما شاء الله لك أن تصعد بروحك للعنان وتتهامى حولك أصوات كانك بها تسمع مناجاة النبي لربه في "حراء" قبل قرون طويلة..

في كل ركعة ليل كان القرب يحتويك، يحتضنك، يضمك فتتطهر، ويضحكك أيضا فتتهلل، أحيانا ترى أدعية لا تعرفها وهي تجري على لسانك وكأن ملكا كريما يلقنك ويهمس لك، لم تكن تلك أيضا خصوصية أبدا وإنما شيئا قليلا من كرامات تطل على ضيوف الرحمن في بيته

في كل كوة تجلس فيها بأدوار المسجد الحرام الشاسع تشعر بالضياء يحوطك ويداخلك.. وتطالع إشارات تعوضك لما فاتك، خاصة وانك كثيرا ما تجالس أصحاب صالحين حقا، وكثير من القصص تصبح معدة تماما لإلهامك في حياتك، فعادة ما يتبادل المصلون حكايات بينية عابرة بين الصلوات، يفضفضون لعابر سبيل مثلهم يدركون أنهم لن يروه مجددا، وقد روت لي سيدة مغربية قصة في كفاحها، وروت آسيوية ما لم أنساه عن الدين الذي ورثناه بينما هم غالبوا الصعاب لنيله، فكان عزيزا حقا، وروت سيدة هندية شيئا جميلا في قيم الأسرة المسلمة.. مدرسة مفتوحة للروح حقا

في كل شوط كنا نقطعه أنا وزوجي بين الصفا والمروة، كنا نتذكر سعينا الحميم في الدنيا، والذي يتبدل هنا لسعي نحو رضا الله، وهو سعي من أفقرته حاجته، تماما كأمنا هاجر وهي تسعى لجلب قطرة ماء لوليدها إسماعيل، هنا تدرك كم يدرك المرء بسعيه فهذا كسبك واختصار سعيك

كنت لا أزال أحمل ابني الثاني في شهر تكوينه الرابع، تتملكي في كل خطوة الخشية على مصيره، ولكن الحفيظ المعين أزال مخاوفي وطمأنني كما فعل مع كثيرات مثلي في مواقف صعبة، ومنها المسير المهيب الطويل لرمي الجمرات.. وأنت بين جموع الملبين المهللين الذاكرين تتأهبون لرجم شيطان لطالما انهككم بمكائده وحبائله فأوقعكم وأبكاهكم وأضناكم وأبعدكم، فحانت لحظة المواجهة، وتسابقت الأيدي لجمع السلاح المناسب لدحره من أرض المزدلفة، وهو سلاح فعال رغم كونه لا يزيد عن حجم حبة الفول من الحجارة!

وستصاحبك في يوم عرفة، وأنت تجلس في خيمة، أعزلا من كل شيء إلا ربك، في صحراء تحاوطك الجبال، لم أستطع صعود جبل الرحمة كما فعل غيري، ولكن رحلة الإلهام لا تتوقف  فقبل غروب شمس عرفة بنحو ساعة، كان الهواء العليل قد بدأ يطوف بالأرجاء الحارة وينعشها، وكانت صحبة رائعة معي وقد تعلقت أبصارنا بالسماء، وشفّت ارواحنا وتجاورت أكفنا المتضرعة، وقلوبنا الوجلة واعيننا الدامعة وجرت على ألسنتنا أدعية لم أشهد بمثلها يوما فهي منحة جديدة من الرب لعباده بأن يلهمهم الدعاء

المسير طويل والمدد لا ينقطع.. سيعرف هذا من خرج من الجمرات عائدا لمكة سيرا لشدة الزحام.. ثم عاد لنزله عبر أنفاق طويلة كأنها رحلة البرزخ.. وحين خرجت من هذا البرزخ كنت في إنهاك لم أعرفه في حياتي، ولا شيء يحملنا في زحام شديد من البشر إلى خيام منى البعيدة حقا، فكان "أبوجواد"! سبحان الله شاهدوا اسمه، الصديق اليمني الذي ظهر فجأة لهؤلاء الشعث الغبر المهللين، وأصر على اصطحابهم بسيارته وسقايتهم "العروس" (عصائر وفواكه مختلطة) وانتظارهم مرات اخرى.. يا الله ما هذا الكرم.. من هؤلاء البشر الذين تجندهم.. وكيف نخاف وأن أقرب إلينا من حبل الوريد؟! ..

هذا الجواد يجده الحجيج عادة، عبر صور مختلفة، وقد سمعت قصصا كثيرة في التيسير لأهل الله هناك، وبعضهم يفقد المال أو الجوار ولكن الله يكون معه ويرسل له الطيبين، وقد حدث شيئا كثيرا من ذلك معنا واستضافتنا صحبة مصرية طيبة في المدينة وجدة، محبة في الله .

في المدينة، كان شوقي لا يوصف لزيارة روضة النبي، وكنت أذكر عبارات أبي الذي جذبته أرضها بشوق، وشاهدت الحمائم البيضاء التي لطالما سمعت عنها تحط من الآفاق وادعة آمنة وتعاود الطيران محدثة نشيد بديع وهو مشهد تكرر مع طواف الوداع لمكة..فما من شيء إلا يسبح بحمده

 وحين تصبح على بعد خطوات من الحجرة الشريفة.. تدخل مسجده وتصلي وتتجاسر على المضي والسلام على نبيك ولا تملك بين يديك سوى ضعفك وافتقارك.. ترى نور محبته يطمس كل ما كان.. لقد كانت الصلاة على النبي مخرجا حقيقيا من كل ضيق في رحلتي.. وفي روضته صارت الصلاة عليه حقيقة متجسدة ورده السلام يقينا تسمعه بجوارحك

في المدينة بقاع طيبة مباركات، جبل أحد وقبور الصحابة الكرام في البقيع، وكثير من الرحاب التي تبكي وأنت تتأمل من مروا عليها، وما بذلوه كي تنعم أنت اليوم بهذا الدين

سيظل العيد الذي قضيناه بعد النحر في منى هو خير عيد، وطقوس الحلق والنحر والتكبير والتهليل والثياب البيض في أول أيام التشريق تصنع بك سرورا فطريا جامحا وتعيدك لفرحتك الطفولية بالعيد، وسيظل الشوق وهو يحملنا في طواف الإفاضة رغم الجهد، سيظل ملمس الكعبة التي تلمسها وتودع جسدك بركتها، سيظل مهيمنا بحالته كلما هلّ موسم الحج ، سيظل النهر الذي ارتوت منه أرواحنا قبل أجسادنا من بئر زمزم يروينا مادمنا متذكرين..

طوبى لمن كان ببيت الله فنسى همه وأحزانه.. طوبى لمن صام وقام الليالي العشر بقلبه لا جسده فتوحد مع الحجاج وشاركهم.. طوبى لمن كانت حجته لا عليه ولمن أصبحت "لبيك" منهجا لخطوه في الدنيا؛ فسلام وخير وإصلاح.. وكما أنشد أحدهم قديما وظللنا نردد "يا طيبة يا دوا العيانا اشتقنا لك والهوى نادانا"

اليوم الجديد