آثارنا.. ماذا بعد التل والمقبرة والتابوت؟

8/7/2019 2:09:59 PM
66
كتاب اليوم الجديد

حسن السعدي


لا يختلف اثنان على قيمة الآثار فى حياة الشعوب، لا سيما إذا كانت بقيمة آثارنا القديمة التى نباهى بها على العالم قاطبة، بل ولا أغالى إذا قلت إن أصحابها من الأجداد ما يزالون ينفقون بها على الأحفاد من عوائد عرضها. ومع ذلك تطالعنا وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعى ببعض القرارات الكارثية فى حق هذه الكنوز، والتى كان آخرها قرارات بنقل حمّام كامل من تل الحير بسيناء إلى متحف شرم الشيخ، وكذا مقبرة صخرية من أخميم، وثالثها ما اعترى تابوت الملك توت من أضرار تم كشفها أثناء النقل، بعدما تقادم عليها العهد منذ الكشف لتسع عقود خلت.

 والواقع فإذا كانت مقبرة أخميم لم تنقل بعد، والتابوت فى حوزة محفوظات المتحف الكبير؛ لمعالجته توطئة لعرضه مع مجموعة الملك توت بعد تفريغ المتحف المصرى منها، فإن الطامة الكبرى تتمثل فى ذلك الحمام الذى تربو مساحته عن 460 مترا مربعا، ويشتمل على مجموعة متكاملة لعناصر الحمام من العصر البيزنطى، وعلى رأسها البئر بعمق ستة أمتار. وهو يرتبط عضويا بثلاث قلاع بمنطقة تل الحير ما يكسبه تناغما بيئيا مع المنطقة يصعب تمثله فى غير موضعها. ولقد أفاض أهل الاختصاص فى تناول هذه القضية، بل ودراستها منذ كشفها لتصبح ماثلة للعيان على يد كبير الأثريين، المسئول آنذاك، الدكتور محمد عبد المقصود من عهد المرحوم الدكتور أحمد قدرى. وهى عشرات السنين التى ظلَّ فيها هذا الأثر شاخصا وشاهدا زمنيا على مصرية الأرض التى كانت وما تزال مطمعا ومطمحا للباغين. ولو كان الكشف تم بالأمس القريب لتماشينا –احتراما للتخصص- مع أهل الذكر من ذوى خبرات الترميم، من أن الحمام عرضة دائمة للرياح، وأن الأجدى حفاظا عليه هو الفك والتركيب المزمع القيام بهما لحساب العرض المتحفى بمتحف شرم الشيخ الوليد. بيد أن مرور كل هذه السنوات وهو ماثل فى موضعه ليؤكد على أن الأسبقين كانوا أبعد نظرا من المحدثين فى إنشائه، فمن غير المعقول أنهم بنوا حماما ليندثر أو تطمسه الرمال، ومن ثم بات لزاما على أهل الاختصاص دراسة أسلوب القدامى فى الحفاظ على منشآتهم من الزمان. أما الاستسهال فى القرار بالنقل الذى من شأنه طمس هوية الأثر وتغييب حضوره فى ذاكرة المكان ومن ثم تاريخه، فهى مسألة ترقى إلى حد التعدى على تاريخ مكان بات شديد الحساسية فى التعامل مع مفرداته على كافة الأصعدة القومية. وبالتالى فمن حقنا على مسؤولى وزارة الآثار، أن نقرع جرس الإنذار والتحذير -لا التهديد بالطبع- مغلبين صوت العقل، ومنادين بالتحكيم القائم على سلطة الرؤية العلمية، وليس سطوة القرارات الإدارية. ولنا فى قضيتىْ دفن المومياوات أو تمثال رأس نفرتيتى، مثالا لا حصرا فى التراجع عن القرارات تراجعا مباشرا لا تسويف فيه بالعبارة سيئة السمعة أحيانا "للمزيد من الدراسة" الشهيرة، أو تشكيل لجنة منبثقة عن اللجنة الدائمة؛ أملا فى تهدئة الأوضاع؛ اعتمادا على ذاكرة سمكية قد تبدو مطلوبة هنا أو شواغل تباعد بين معارضة القرار وتنفيذه. إن شخصنة القضية على أى مستوى إدارى لن تؤدى إلا للمزيد من الخسائر، التى تأتى على رأسها خسارة المصداقية فى صانعى القرار، وهو خسران لو تعلمون عظيم.. فيا قوم أليس منكم رجل رشيد؟                 

       

 

 

كاتب المقال

حسن السعدي

أستاذ الحضارة المصرية بآداب الإسكندرية

اليوم الجديد