المراهقة الإدارية

7/15/2019 10:14:42 PM
705
كتاب اليوم الجديد

حسن السعدي


   

لست ممن يخلطون الخاص بالعام فيما أستعرض من كتابات، بيد أن ما واجهته فى إحدى المؤسسات الرسمية  قد استنفر لدىّ مَلَكة التفكير، حيال التسلط لا السلطة، لمن دفعتهم الأقدار لتصدّر الصفوف فى غفلة من الزمن، فيسلكون سلوكا لم أجد له سميا غير "المراهقة الإدارية"، حيث بيّنت المعاجم اللغوية أن من بين معانى اللفظة "جهل فى الإنسان وخفة فى عقله".

والواقع فإن المتابع لمفردات المشهد فى العديد من المؤسسات، على اختلاف مشاربها وتوجهاتها، يجد تلك الحالة من المراهقة الإدارية، لمن تنكبوا بغير حق فنكبوا وحادوا عن الحق. لتذكرنا بالقصة الشائعة عن ذلك التركى الذى فقد نفوذه فأسعفته قريحته بالجلوس أمام عدد من الأزيار (جمع زير)، وضعها على قارعة الطريق لعابرى السبيل، وكلما همَّ أحد المارة بالشرب من زير، أمره بالشرب من غيره حتى أطلق عليه العامة تندرا لقب "مدير عموم الزير"!

ولعل هذا المدخل ينقلنا لسؤال مهم عن آليات الاختيار للقيادات المؤسسية فى بر المحروسة، والتى تجعل من مفهوم إدارة (العزبة) أو التمحور حول (الأول) فى ظل ثقافة (القطيع)، هى الممارسة الإدارية السائدة فى معظم الأحاين. ولست أطالب هنا بأن يتلقى الجميع دروسا فى فن الإدارة على أهميته، بيد أن ما يُعرف بإعداد الكوادر بات أمرا حتميا، حتى لا تُترك الأمور دون ضوابط أو تأهيل نفسى. وهذه الأخيرة تحديدا فى غاية الأهمية لكون التركيبة النفسية للكثيرين إنما تلعب دورا فى تسيير أمور الوحدة المؤسسية بأقسامها المختلفة. إذ يكفى أن يلقى المرء نظرة على لوحة الإعلانات فى أى مؤسسة ليدرك أحيانا مدى حجم الخلل النفسى فى التعليمات، التى لا علاقة لها بأنماط الإدارة الحقيقية، كالإدارة بالأهداف أو بالإقناع أو الإدارة الاستشارية مثالا لا حصرا. ليضيف هذا النمط المرضى لحياتنا حالة من العشوائية يتنافر المخبر  فيها مع المظهر، فالهدوء الظاهرى فى أغلبه يمثل حالة مؤقتة سرعان ما تنتفى عند أول مواجهة أو احتكاك لاتخاذ القرار. إذ تصل أحيانا إلى ظواهر عرضية يلمسها الجميع لدى المدير المسؤول، حيث اللعثمة وتغير لون الوجه واحمرار بعضه وارتفاع الصوت الذى يصل غالبا إلى حد الهذيان! وعندما نسأل أنفسنا لِمَ كل هذه الأفعال، يطلُّ مفهوم المراهقة الإدارية ذو الطبيعة التسلطية بسطحيته المقيتة حيث "الجهالة الإدارية عامة والخفة العقلية بخاصة". وقد يزيد الطين بلة إحساس الدونية والبطولة الزائفة الذى يتملك الشخص إبان حالة "المس الإدارى".

إن إعداد الكوادر المشار إليه سلفا يستلزم فيما يلى تدريب حالة من الشفافية التى تستند على معايير، قوامها الرئيسى ما يملكه كل مرشح من رؤية حيال نجاح مهمته والنهوض بمؤسسته. وهذا الأمر أصبح متاحا فى ظل الثورة المعلوماتية، وكذا ما يُعرف بالتوصيف الوظيفى، الذى لا يجعل لأكذوبة الأقدميات المطلقة نصيبا مفروضا. فهذا الأمر يمثل الخطوة الأولى فى تلافى مفردات المراهقة الإدارية، ومن ثم انتفاء ثقافة القطيع، والتى تتمثل فى النفاق أو الترضية التى تقوم نفسيا مقام النجاح المضل للمراهق، أو اللعبة لدى الطفل حال حدوث انتكاسة من المراهقة إلى الطفولة الإدارية، وهى غالبا ما تحدث.

والواقع فإن النضج الإدارى أصبح يمثل مطلبا قوميا كى يتماشى مع مفاهيم المواطنة والحكومة الإلكترونية وغيرها من محاولات الدولة للخروج من موبقات الشرنقة البيروقراطية بتداعياتها السلبية، حيث يمثل التخلص من مراهقى الإدارة مطلبا أساسيا. عسانا يوما نتندر على "مدير عموم الزير"، بعدما نكون قد كسرنا كل الأزيار خلف مراهقى الإدارة وأطفالها المدللين.   

كاتب المقال

حسن السعدي

أستاذ الحضارة المصرية بآداب الإسكندرية

اليوم الجديد