ترويض النجومية

7/9/2019 9:59:33 PM
627
كتاب اليوم الجديد

حسن السعدي


      

تطالعنا وسائل الإعلام بين الحين والآخر بموضوع من النوع (الفضائحى)، الذى يستهوى الكثيرون ممن يجدون فيه مآرب عدة سواء كانوا ناشرين أم مستقبلين. والواقع أن هذا النوع من التناول إما أنه يقوم على مسلك حقيقى أو مجرد افتعال للتشهير، بمعنى أنه عندما يكون الأمر حقيقيا فإن نشره لا يصبح تشهيرا. بيد أنه يعكس فى كل الأحوال نوعا من العوار النفسى أو ضعف المناعة المجتمعية التى ساعدت عليها وسائل التواصل الاجتماعى، لتصبح هنا فى الأغلب تواصلا بالإثم والعدوان.

ولعل أولى مفارقات المشهد تكمن فى الإعلام ذاته الذى أحيانا ما يصنع نجوما، ليصبحوا بين طرفة عين وانتباهتها ملء السمع والبصر. ولكون ليس كل ما يلمع ذهبا، فإن هذه النجومية سرعان ما تتبخر أمام إمكانات الموهبة المتواضعة أو احتراقها كالشهب المؤقتة أو انتفاء الغرض من وجودها أصلا! ومن بين عوامل النيل منها تأتى مسألة تناول تصرفات أرباب النجومية، لا سيما إذا كانت من النوع الصارخ، أو التى تحقق رواجا للمطبوعة أو البرنامج بغير حاجة للتباكى على قيمة الخصوصية. لا سيما عندما يكون النجم المزعوم من أولئك الذين بهرتهم الأضواء فظنَّ أنه الوحيد الأنجب، ليتحد الغرور مع اللامبالاة وثالثتهما اللامسئولية، ليضع لنفسه وبنفسه سلم الصعود إلى الهاوية. والمستغرب أن أحيانا ما يمثل الترويج لتلك السقطات حالة يعلمها أهل الدعاية بهدف التسويق لعمل ما أو لأسباب أخرى!

ويتساءل البعض عن مفهوم القدوة لدى النجم كردٍّ مستحق لجميل المجتمع عليه؟ والإجابة تأتى أولا فى كون هذه المفردات قد لا تكون ضمن قاموسه الخاص بحكم ضعف التأهيل النفسى، أو أن النجومية قد منحته مناعة "لا مساس" خصما من حجم المناعة المجتمعية. وما من شك أن إعمال القانون على الكافة يُعد الكفيل الحقيقى لضبط إيقاع الخروج عن قيم المجتمع وتقاليده. فالقانون يا سادة موجود لهذا الشأن شريطة اكتمال أركان التعدى، لا لتصيد الأخطاء ونشرها دون أن ينال الفاضح جزاء فعلته. فالمجاهرة هنا لم تأتِ من الفاعل على فساده المستتر بل أتت ممن استهوته آفة التشهير. وإذا كنا نقول إن الإفلات من القانون لا يسقط حق التعدى على قيم المجتمع، فأحسب فى هذا الصدد أن العزل المعنوى للمخطىء والمُرَوِّج هو رد الفعل الطبيعى للمجتمع. إذ أن الهدف هنا هو كبح جماح التعقب المقيت، حتى لا يأتى علينا زمان يصبح التصيد ديدنا والتعقب مسلكا والإيقاع بالآخرين سلوكا سواء كانوا نجوما كانوا أم غير ذلك.

إن ما نشهده على الساحة الآن فى هذا الصدد ليؤكد على أن ثمة خلل قد اعترى المجتمع، وأن الرقابة الذاتية للفرد تقلصت مساحتها لحساب التشهير أو التهديد أو الابتزاز. وقد أحسن المُشرِّع بتعزيز القانون بمواد الجرائم الإلكترونية، بيد أن واقع الحال يشى بأن فعاليتها ليست ملموسة على الصعيد المأمول لأسباب تتعلق بالقدرات الخاصة لدى المعتدين فى الإفلات إليكترونيا من المساءلة. وهذه القضية تحديدا تحتاج إلى دراسة إحصائية معلنة تخصُّ الجرائم الإليكترونية، فى محاولة للردع المقنن مقابل المزيد من التوعية على كافة الأصعدة؛ كى لا تصبح عند الجميع أى حجة بالتغافل وليعلم الظالمون منهم أى منقلب سينقلبون، حفظا على المجتمع من هشاشة البنية الأخلاقية أو ضعف مناعته القيمية.                  

كاتب المقال

حسن السعدي

أستاذ الحضارة المصرية بآداب الإسكندرية

اليوم الجديد