حرب الفساد

6/16/2019 5:57:27 PM
4335
كتاب اليوم الجديد

هيثم الشيخ


الفساد هو ذلك السرطان اللعين الذى يطارد الأمم ويعبث بمكتسباتها، معتمدًا على شهوة الطمع والبحث عن المال، تلك التى تصيب من لا يعرف معنى الرضا.

يقولون أن عوز الناس يدفعهم لمدِّ اليد، لكن ماذا عن هؤلاء الذين تمتلئ أرصدتهم فى البنوك، ولا تمتلئ أعينهم من شهوة البحث عن المزيد، فى دمائهم يسرى الفساد غير مكترس بمناعة ضمائرهم التى غيَّبها ضعف الإرادة، فيضيعون، غرقًا، فى دوامات الجشع، ويأخذون معهم ما طالت أيديهم من خيرات البلاد والعباد.

الحقيقة التى أدركتها البشرية مع الوقت أن الفساد واقع فى كل زمان ومكان، يظهر كلما وجد البيئة غير الرادعة، ويختفى حينما تغلق أمامه أبواب الرشوة والتهاون فى حقوق الشعوب.

عاش الفساد فى مصر على مدى سنوات منتشيًا، لم يترك فئة إلا واخترق ضعاف النفوس من أهلها، لم يرحم هؤلاء الفقراء الذين غلبت حاجتهم ضمائرهم، ولا الأغنياء الذين غلبتهم شهوة أنفسهم، كلما زادت أرصدتهم فى البنوك كلما زادوا ثقة فى قدرتهم على البقاء "ماذا سيحدث، بفلوسنا هنحمى نفسنا؟" - هكذا يحدثون أنفسهم-  "هل من رادع ؟".. فلا أحد يجيب عليهم ولا هم يردعون.

مرت مصر بفترة عصيبه منذ عام 2011 فرضت الأولويات نفسها على المجتمع المصرى، ولم يكن لدى القائمين على الدولة وقتها رفاهية محاربة الفساد، الذى تأصل عبر عشرات السنين داخل المجتمع.

فاقت الدولة المصرية من غفوتها مع الوقت، تولى قيادتها رئيس قالها بوضوح "معنديش فواتير لحد"، معلنًا منذ اليوم الأول حربه على الفساد، تلك التى لم تكن خيارًا، فلا تنمية ولا استقرار فى مجتمع ينهش الفساد خيراته.

وجّه الرئيس السيسى بمكافحة الفساد بكل أشكاله وصوره بدون تهاون، فاتّحدت مؤسسات الدولة وأجهزتها، وفى القلب منها الرقابة الإدارية لمحاربة الفساد، فتوالت أنباء سقوط شبكات الفساد، فها هو وزير يتم ضبطه فى قضية فساد، ومحافظ يضبط فى أخرى، ورئيس حىّ يسقط داخل مكتبه فى قبضه رجال الرقابة الإدارية.. ليدرك الجميع أن المال العام لم يعد "سايب"، وعلى من تعلم السرقة أن يتعلم غيرها أو يذهب إلى حيث استحق.

شهدت مصر تطورًا كبيرًا فى مجال تلبية متطلبات الشفافية والنزاهة منذ عام 2014، وذلك فى ضوء دستور مصر، الذى صدر فى هذا العام، والذى نصَّ صراحة على إلزام الدولة بمكافحة الفساد، عبر الرقابة الإدارية، وغيرها من الجهات المعنية.

خطَّت مصر شوطًا كبيرًا فى مكافحة الفساد، بدأ بوضع استراتيجية للقضاء عليه، وقررت الدولة المصرية تغيير الواقع ومحاربة البيئة المشجعة على ظهور الفساد، فطورت بنيتها التشريعية عبر إصدار عددٍ ليس بالقليل من القوانين المعنية بمكافحة الفساد، وأُسندت إلى الرقابة الإدارية مهمة جديدة، وهى مكافحة جرائم الإتجار فى البشر والهجرة غير الشرعية، ليتمكن رجال الرقابة من ضبط العديد من القضايا فى هذا النوع من الجرائم.

وكانت إحدى الجرائم التى تم ضبطها بمعرفة الجهاز فى مجال زراعة الأعضاء، شهدت صدور أحكام وصلت إلى 219 سنة على 38 متهمًا، كما صدرت أحكام أخرى بالسجن على 40 متهمًا، بإجمالى أحكام بلغت 205 سنوات فى قضية أخرى للاستغلال الجنسى.

ظلَّ رجال الرقابة الإدارية يثبتون قدرتهم يومًا بعد الآخر على مطاردة الفاسدين وملاحقتهم فى كل المواقع، وعقب تحقيق هذا النجاح، خرجوا علينا بتنظيم "المنتدى الافريقى لمكافحة الفساد"، هذا المنتدى الذى شهد تمثيل نحو 48 دولة إفريقية وعددٍ من الدول العربية وغيرها؛ حرصًا منها على المشاركة فى فعالية هى الأولى من نوعها، التى تهتم بتعزيز التعاون الدولى لمكافحة الفساد.

أبهر القائمون على المنتدى الجميع بالتنظيم الدقيق، والمتحدثين المتميزين، فتم توجيه الدعوة للعديد من المفتشين العمومين ووزراء الداخلية والعدل فى العديد من البلدان الإفريقية، الذين أشادوا بإعجاب شديد بتنظيم المنتدى.

المتابع لكلمات ممثلى هيئة الرقابة الإدارية فى جلسات المنتدى، يستطيع أن يتفهّم سبب نجاحها، وهو الأخذ بالعِلم وبالحرص على التطوير الدائم، ومجاراة كل ما هو جديد فى مجالات تكنولوجيا الاتصال والمعلومات ما يساعدهم فى محاصرة الفساد وجرائم العصر المختلفة.

أطلقت هيئة الرقابة الإدارية منصة science hub  الإلكترونية، والتى تهدف لالتقاء الباحثين والمراكز البحثية والشركات الناشئة، خاصة فى الدول الإفريقية؛ لتفعيل التعارف فيما بينها وتبادل الخبرات، وتتيح خدماتها على مستوى القارة الإفريقية، وتُمكّن جميع المستخدمين من التسجيل، فيها عقب وضع بياناتهم وتخصصاتهم العملية والتكنولوجية، وربطهم بالأشخاص أصحاب الاهتمامات المشتركة لمساعدتهم على تحقيق التعاون والتطوير فى المجالات المختلفة.

وتمثل هذه المنصة الجديدة منظومة إلكترونية، تستطيع أن تستهدف خلق نقطة انطلاق جديدة، وتوجية البحث العلمى لسد العجز فى المجالات ذات الأهمية الصناعية، وهى تعدُّ بمثابة مركز للالتقاء بين المهارات.

وهى تشبه منصات التواصل الاجتماعى، لكنها مختلفة عنها تمامًا من حيث الهدف، حيث أنها تساهم فى الربط والتنسيق بين الأشخاص من الباحثين والجهات التموينية والمؤسسات المختلفة، وتوفر بيئة مناسبة للتواصل التكنولوجى والفكرى بين الأشخاص، وتساهم فى تداول المعرفة بشكل لا مركزى، وللتواصل مع الباحثين من نفس التخصص وتخصصات أخرى، وتطبيق المعرفة طبقًا لاحتياجات السوق، وتعمل على رفع بصمة المعرفة وإدارتها، والتكامل بين المجموعات، والوصول إلى الكفاءات المتاحة وتطوير المنتجات والخدمات، والانتشار والتسويق ولتكوين فرق عمل محترفة.

لم تتوقف جهود هيئة الرقابة الإدارية عند هذا الحد، فقامت بإنشاء الأكاديمية الوطنية لمكافحة الفساد لتتولى مهمة التدريب فى هذا المجال، لتدرب نحو 250 من الخبراء الأفارقة فى هذا المجال، فضلاً عن تنظيمها عددٍ من البرامج التدريبية المتعلقة بالنزاهة والشفافية للعاملين فى القطاع العام والخاص والمجتمع المدنى.

واليوم تسعى هيئة الرقابة الإدارية إلى قيادة نظرائها من الجهات والهيئات فى الدول الإفريقية لتبادل الخبرات والمعرفة فى مجالات مكافحة الفساد.

والحقيقة أن تنظيم مصر للمنتدى الأفريقى لمكافحة الفساد، هو خير دليل على مدى احترافية وإدراك الدولة المصرية لأهم التحديات التى يفرضها العصر، وهو مكافحة الفساد الذى يؤثر سلبًا على اقتصاديات الدول.

كما يعكس هذا التنظيم مدى إدراك القاهرة لطبيعة العديد من جرائم الفساد الكبرى التى أصبحت لا تقتصر على المجال المحلى، إذ تبين أن العديد من جرائم مكافحة الفساد فى الدول الإفريقية تُرتكب لحساب أشخاص يقيمون خارج تلك الدول، مما يعكس أهمية تفعيل التعاون بين دول القارة فى مجال مكافحة الفساد وتبادل الخبرات والمعلومات حول هذه النوعية من الجرائم.

مصر نجحت فى توصيل رسالتها لأهل الفساد "لن نترككم"،  فأنشأت لجنة متخصصة لاسترداد الأموال من الخارج نجحت فى استعادة الملايين من الأموال المنهوبه، كما استردت مصر أصولاً تخطت قيمتها الـ8 مليارات جنيه، ممن تم إدانتهم بالكسب غير المشروع.

وتواصل الدولة المصرية دورها الرائد فى القارة الإفريقية فتقوم بتعزيز التعاون مع الجانب الإفريقى فى مجالات مكافحة الفساد.

الفخر كان الشعور الدائم لدى كل مصرى شارك فى هذا المنتدى، واستمع لكلمات الإعجاب الشديد بالتجربة المصرية فى مكافحة الفساد، ومدى احترافية القائمين على المنتدى فى تنسيق أعمال تنظيمة، وجدول أعماله والمحاور والموضوعات التى تم طرحها للمناقشة خلال الجلسات المختلفة.

كاتب المقال

هيثم الشيخ

رئيس تحرير جورنال اليوم الجديد 

اليوم الجديد