بالبحر تودعنا

5/31/2019 3:08:40 PM
3658
قراء اليوم الجديد

ساندي ياسر


"هو كان قريب وجوه وأنا بره وبعيد، واقفة على الشط باقول بيغرق وقلبي مخلوع، وهو في البحر الغريق بيعوم"، بتلك السطور التي لا تبرح بالها بدأنا الحديث، اجتمعنا -أنا وهي- بعدما حال على فرقتنا حول على شط بحر مداه رحيب، وفوق الرمال المنسابة جلسنا حفاة، تاركين للشوارع ضجيجها، ولبني البشر لغطهم. كلما نظرت إليها، أدركت أن للسنين سحرها الخاص في نقش الحكايات على قسمات الوجه وتقاطيعه؛ فبعصاها ترقش المشاهد ما بين الجفون، وتغرز العواطف في ثنايا التنهيدات، وتسطر النهايات فوق الجباه. قد غيرتها الأيام كثيرًا حتى كدت لا أعرفها؛ رأيت في فضاء عيونها وميض حزن يلوح ويختفي، ووجدت بها حزنًا كحزن الكبار المجبورين -يومًا بعد يوم- على اجتراع الدمع عوضًا عن لفظه، ولمست بابتسامتها الوديعة كدرًا لا يليق بمن مثلها.

التفتت إلي شيئًا فشيئًا، وعادت معي بالزمن إلى تلك الذكرى وما تحمله في صدرها من غصة، وقالت لي بصوتها الشجي: "ركب البحر وراح"، ومن ثم مالت إلى يمينها والتحفت بوشاحها الأزرق السماوي الوثير، وظلت أمامي معلقة؛ نصفها غارق في مياه البحر اللازوردية، والآخر موصول بغيوم السماء، متكئة نصف اتكاء، وكأنها تركن إلى منكب أحدهم كي تستريح شيئًا أو بعض شيء، لم تقل إنها منهكة، ولكن كل ما فيها قد قال؛ عيونها التي تعتليها غيوم لم تكشف عن أمطارها بعد، ويديها المرتعشة المائلة إلى شيء من زرقة البرد وقسوته، وأقدامها التي تستحوذها الجروح إثر سيرها غير المنقطع وطريقها التي لا تهدأ.

ظلت منكمشة في تلك البقعة من الأرض، تحاول أن تداري ما في جوفها من بكاء منحبس، وبينما كنا غارقين في الصمت الذي أعقبه ما بنا من حسرة، انبعث صوت عود أصيل من مكان بالرغم من قربه لم نر صاحبه، وبعيد عدة دقات وثيقة على أوتاره، نثرت ذات الصوت الملائكي عبقها على شطنا العريض منشدة: " يا مسافرة في البحر جايي أودعك، حمل سلامي للهوا، وودي معك"، وفور ما انتبهت إلى الكلمات وألحانها، ارتاحت في جلستها قليلًا ودون أن تنظر لي أخبرتني أن بحارها قبل أن يرحل، أهداها شريطًا لا يحوي شيئًا سوى هذه الأغنية، وكان قد أوصاها أن تستمع إليها كلما غلب عليها الشوق، وأعيتها الاحتمالات، وما إن افتر ثغرها عن ابتسامة رضا حتى اضطربت مرة أخرى؛ فالألحان لا تكفي، والأحرف لم تعد تروي ظمأ صبية تقضي أغلب ما لها من وقت على شط بحر مياهه تنضح ملحًا مرًا لا تستسيغه الألسن.

نظرت لي بعيون قد انعكست على بريقها زرقة الأمواج وقالت: "لم يكن هناك مفر من أن يذهب؛ فهو بحار خلق للترحال، ومقدر له أن يبقى ما حيي على سفر، وإن غاب عن سفينته ليلة، سيأتي عليه الصباح دون شراع ولا إبحار؛ فالسفينة هي الأخرى مقدر لها الإقلاع، وقضيتنا هي أن متن السفينة لا يساع". صمتت مجددًا وتناولت من فوق الرمال قنديلًا ذا قواعد ذهبية وأشعلته، فانطلق من قلبه ضوء أحمر خالط أصيل النهار المرتحل، ودون أن تلتفت لي أكملت: "على الراحل أن يمضي في طريقة بعزم دون أن يلتفت لما تركه وراء ظهره؛ فالالتفات يورث التعثر، والمتعثر في دنيانا ما له من مرسى سلام، كما أن على أحدهم أن يُترك؛ على أحدهم أن يعلق ما بين أمل بعودة، وأمر واقع أقر -منذ زمن- كل ما يخالف العودة، وأنا لا أرجو شيئًا أكثر من ألا أُترك سدى". وقبل أن ننهمك - أنا وهي- في بكاء قد يطول، تدخل العواد وصاحبته بأحرفهم البراقة، وصبوها فوق رؤوسنا صبًا كما الزنبقات البيضاء مرددين: "روحي بسلام يا حياتي بخاطرك وضلي اذكريني في غيابك وارجعي". انصتت الصبية لما يقع على آذانها من كلمات تبدو وكأنها كُتبت خصيصًا لها، وإذا بها تسكب من مياه البحر بضع قطرات على وجهها كي تبرد من نار دموعها ولو دمعة، وبعد محاولاتها الكثيرة في الهروب من نظراتي، استسلمت في نهاية الأمر وتطلعت إلى في حنو وأردفت: "ربما لو كان الزمان غير الزمان، ولو كنا غير ما نحن عليه الآن، ما كان يخطر للبحر أن يقسم بيننا أبدًا".

اليوم الجديد