الصوم .. تاريخ واعتقاد

5/5/2019 9:53:46 PM
2946
كتاب اليوم الجديد

حسن السعدي


 

يمثل الامتناع عن الطعام أحد مظاهر السلوك الإنسانى الذى عرفته الشعوب عبر العصور مع اختلاف المشارب والتوجهات. وعلى الرغم من أن الصوم يمثل فى الوجدان الإنسانى لدى الكافة مرادفا لواحد من أهم الالتزامات التعبدية، إلا أنه على إطلاقه يسترعى فيه الإنتباه عددًا من مظاهر التباين النوعى التى تمايز بين أشكاله على الصعيدين السلوكى والطقسى. إذ لا يختلف اثنان على أن الصوم من حيث كونه مدرسة سلوكية يهدف إلى الإستعلاء على رذيلة الأنانية والإعلاء من قيمة الإرادة الذاتية إلى جانب البعد الروحى ممثلًا فى الانصياع للأمر التعبدى سماويًا كان أم وضعيًا. كما أن نتائج الأبحاث الخاصة بالصيام التى خلصت إليها المراكز العلمية المتخصصة لا سيما فى طب المسنين تكفينا مؤونة الحديث عن العائد الصحى و مزاياه، بنفس القدر فى أن ما نعرضه من أمثلة حفلت بها الموسوعات و الكتب التعبدية على تنوعها لا تستهدف الصوم فى ذاته بل تمثل غيضًا من فيض التوجهات الإنسانية حيال الصوم كقيمة وممارسة.

ولقد فطنت الحضارات لهذه القيم والفوائد وتنوعت فى تفعيلها بالامتناع عن الطعام كليًا أو جزئيًا فضلًا عن التحديد الكمى أو النوعى للوجبات وكذا التعيين السنى والجنسى والزمنى للالتزام، ومن ثم لم يكن مستغربًا مثالًا لا حصرًا أن يحرم على كهنة المعبد فى مصر القديمة تناول بعض الأطعمة كالثوم والملح والسمك وجميع أنواع اللحوم عدا الأوز سواء أثناء تأدية الطقوس أو بالتحريم التام مع الإمعان فى التطهر بعدم الاقتراب من الزوجات. فى حين اكتفت البوذية بحظر الطعام على كهانها ذكرانًا وإناثًا بعد وجبة الظهيرة وحتى صبيحة اليوم التالى، وإن خضع البعض لما ذهبت إليه إحدى قديسات الطائفة الهنديات لتفعيل مبدأ (الكارما) الذى يعلى من الإرادة الحياتية ضمن أطوار الوجود و بما يمكن اعتباره جمعًا بين الفرض والتطوع (أو الطريق الوسط وفقًا لاعتقادهم) فى آن واحد وذلك بإقرار الصوم التقليدى يومًا والحرمان الكلى فى اليوم التالى. أما الزرادشتية فقد وظفت الصوم عن الطعام والكلام فى توصيفها للمخلوق النورانى الأزلى.

ولقد فرضت البهائية على اتباعها صيامًا عدته تتفق والرقم المقدس لديهم وهو تسعة عشر يومًا بدءًا من مطلع شهر مارس، يحظر فيها الطعام والشراب والتدخين عدا تناول الدواء ويفرض على الفئة العمرية ما بين الخامسة عشرة والسبعين، كما أجازت للمسموح لهم بعدم الصوم لعلة كمشقة العمل مثلًا تناول الطعام فى الخفاء وبكميات أقل من المعتاد.!!! ومن المستغرب فى هذا الصدد أنه فى الوقت الذى لا يشجع السيخ أتباعهم على الالتزام بطقس الصوم أو غيره، فإن عقيدة اليانية الهندية الأقل شهرة والتى ظهرت فى القرن السادس قبل الميلاد تقدم لأتباعها أنماطًا عدة مثل الامتناع عن الطعام والشراب لإشراقة اليوم التالى أو الاكتفاء بشرب الماء المغلى فقط، فضلًا عن الصيام لثمانية أيام قد تمتد فى نوع آخر لشهر كامل مع ضرورة الالتزام بالتقشف فى نوعية الطعام ويفضل أن يكون فى نمط منه إما منفرًا فى طعمه بزيادة الملوحة أو التوابل فيه أو بعدم تجاوز تناول وجبتين يوميًا.

أما الهندوس فتتفاوت أيام الصيام وفقًا لمسمى المعبود وطبيعة المعتقدات المحلية وإن ظل يوم الخميس هو الأكثر شهرة وتفضيلًا لا سيما فى المناطق الشمالية حيث يصاحب الصوم تلاوة لبعض قصص الوعظ ويسود اللون الأصفر فى الملابس والأطعمة حتى أن أشجار الموز تعد من المقدسات. ويتم الالتزام فى الصيام بعامة من غروب الشمس حتى ما بعد شروق اليوم التالى بما يربو عن ثلاثة أرباع الساعة بقليل، ويكون الامتناع عن تناول الطعام كلية أو الاكتفاء بوجبة واحدة مع البعد عن كافة المنتجات الحيوانية ومشتقاتها وإن أستثنى اللبن فى بعض الأحيان. وتجدر الإشارة أن التنوع الألفى للمعتقدات فى الهند يجعل دونما شك عملية الرصد مسألة تستعصى على الحصر وتخرج عن إلإطار العام لموضوعنا.

ومما لا شك فيه أن الديانات السماوية قد تمايزت بشكل جلى فى الصيام المفروض على معتنقيها، بيد أن ما يستوقفنى هنا هو ذلك التباين فى صيام التطوع بين الطوائف والمذاهب المختلفة من جانب، فضلًا عن تقديس أحداث بعض الأيام لتصبح ضمن أيام الصوم تقديرًا وتقديسا بدورها. مثل صيام النصف من شعبان أو عاشوراء وموقف السنة والشيعة منه، وعند اليهود يوم النصر على المؤابيين والمكابيين الذى جعله الملك العبرانى يهوه شافاط يوما مقدسًا يفرض فيه الصوم قربى لله، و كذا أيام الصوم التى فرضت على اليهود قبل مواجهة أستير لملك الفرس من أجل بنى إسرائيل... وغيرها كثير مما يحفل به العهد القديم. كما لا يخفى على أى باحث مدى تأثر عقيدة الصوم ونوافلها بالفصل التاريخى بين الكنيستين الغربية والشرقية وكذا انفصال الكنيسة الإنجليزية عن الكنيسة الرومانية الغربية وما حدث من تحلل من العديد من الالتزامات لم يكبح جماحها سوى حركة أكسفورد المضادة، ليستقر الأمر على ما يربو عن خمسة عشر مناسبة للصيام ارتبطت فى معظمها بصيام القديسين. ومن ذلك أيضًا ما استتبع حركة الإصلاح الدينى الأوروبى من تعديلات وإضافات تشهد عليها تعاليم زفنجلى ومارتن لوثركنج وغيرها من الكنائس الأوروبية على تنوعها، فضلا عن التعاليم البابوية المستحدثة فى المقابل التى لم تترك الملعب لحركات (التجديد) حيث كان للصوم فيها جميعًا النصيب الأوفى من التناول كمًا وكيفًا وإن ظل من أشهرها تعاليم البابا بول السادس عام 1966 التى راعت أبعادًا اجتماعية واقتصادية فى شعيرة الصوم.

والواقع أن الصوم بمفهومه الحسى قد تم تجاوزه لما هو أبعد مثل صيام السيدة العذراء عن الكلام امتثالًا للأمر الإلهى بتفعيل معجزة تحدث المسيح عليه السلام، وهو فى المهد صبيًا، وكذا ما يعرف عند المتصوفة بصيام «خواص الخواص». وإن كان ما قام به المهاتما غاندى من صيام يرتقى لذات المستوى الصوفى، وإن خلط فيه بين السياسة والرقى الروحى فى رسالة بالغة البيان للطوائف الهندية المتناحرة والموقف الرافض للاحتلال البريطانى. فى حين مثل الصوم بمفهومه السياسى البحت ظاهرة الإضراب عن الطعام حتى الموت كإحدى مفردات ثقافة التعبئة لتحقيق أهداف بعينها و إن ظل فى هذا الصدد روبرت جيرار الأيرلندى المعروف بإسم بوبى ساندز الأشهر فى تاريخنا المعاصر حيث لقى حتفه عام 1981 بعد ست و ستين يومًا من الإضراب التام عن الطعام تشيعًا للحقوق الإيرلندية لدى الحكومة البريطانية التى كانت من سوء حظه المرأة الحديدية تاتشر تبدأ مستقبلها السياسى رئيسة للوزارة فلم تخضع للضغوط التى دفعت تسعة آخرين من بنى جلدته ليلقوا نفس المصير، و إن ظل ساندز بطلًا قوميًا فى وجدان شعبه الذى انتخبه إبان احتضاره ممثلًا له فى البرلمان. وهناك أيضًا فى سريلانكا بطل التاميل القومى ثليبان الذى قدم روحه عام 1987 فداء لمطالب قومه بعدما أضرب صياما لاثنين وأربعين يوما. ومن مشاهير هذا النمط من الصوم السياسى إن جاز التعبير الأمريكى سيزار شافيز الناشط فى اتحاد عمال المزارع الذى أقدم على هذا النمط من الإضراب بتنويعات متباينة على مدار سنوات عدة منذ عام 1968.

ولعل من نافلة القول الإشارة إلى (الصوم الإجبارى) أو تحديدًا المجاعات حيث أشار تقرير منظمة الفاو إلى أن قرابة 15% من سكان العالم يعانون الجوع. وإن يستوقفنا أمران غاية فى الدلالة أولهما أن معدل الفقر بسبيله للتقلص فى آسيا وللزيادة فى إفريقيا، والثانى أن إنتاج العالم من الطعام يكفى كل سكان الأرض..!! فهل فى ذلك المزيد من التوكيد على ظلم الإنسان وجهالته فى حمل الأمانة... آمل ألا يكون فى ذلك كذلك.. وكل عام وأنتم بخير..    

 

 

    

    

 

 

 

كاتب المقال

حسن السعدي

أستاذ الحضارة المصرية بآداب الإسكندرية

اليوم الجديد