كلام آخرعن الهولوكوست

5/5/2019 1:01:17 PM
836
كتاب اليوم الجديد

سارة شريف


يُقال إن من تألم ودُمرت حياته بسبب شخص أو مجموعة أشخاص، لا يكون أمامه سوى طريقين إما أن يسامح، ويبدأ صفحة جديدة، أو يختار أن يلطخ يديه ويُدَفع من ظلموه الثمن.. ولا يسامح أحدا... اليهود اختاروا الحل الثانى.. ولم يسامحوا أحدا.

يحيى اليهود هذا الأسبوع الذكرى السنوية لمذبحة الهولوكوست.. فى أول مايو من كل عام، تطلق الصافرات لمدة دقيقتين.. ويقف الجميع حداد ليتذكروا أرواح اليهود الذى حرقهم النازى فى أفرانه.

فى عالمنا العربى اعتدنا التشكيك فى صحة الهولوكوست، البعض يقول أنهم لم يكونوا 6 ملايين، والبعض الآخر يقول إنها لم تكن جريمة إبادة جماعية ممنهجة ضد اليهود فقط بل كانت ضد جملة من الأقليات والأعراق المختلفة من بينهم اليهود.

دعونا نتجاوز هذه النقاط، والتى بطبيعة الحال، كانت هى مثار الجدل والخلاف منذ الحرب العالمية الثانية وحتى يومنا هذا، ونفكر فى الهولوكوست من زاوية أخرى.

لا يمكن لأحد أن ينكر بشاعة المحرقة، ولا يمكن لأحد –مهما بلغت درجة قسوته- أن يشعر وكأنه حدث عادى، التعاطف قد يكون مختلف فى درجة قوته، لكن لا يوجد من لا يستطيع إنكار بشاعته.

لا يمكن لأحد أن يتفهم كيف قادوهم بالقطارات، وأوهموهم أنهم ذاهبين للعمل، ثم يفاجئوا أنهم فى معسكرات إبادة، تُكتب على أيدهم أرقام، وبالتسلسل يتم ددفعهم داخل أفران الغاز.. ثم تُدفن جثثهم المحروقة وسط الرمال.

كل هذا كلام حقيقى مروع وقاسى.. ولكن هناك كلام آخر أيضًا يجب أن نقول عن الهولوكوست.

بنفس درجة التعاطف مع الهولوكوست يجب أن نتعاطف مع المذابح الكبيرة فى التاريخ، وهؤلاء الذين يتعاطفون مع المذابح الكبيرة فى التاريخ عليهم أيضًا أن يتعاطفوا مع الهولوكوست بذات الدرجة، طالما أن درجة آدميتنا واحدة، فلا يمكن أن يستأثر الهولكوست بكل التعاطف الذى فى القلوب، ولا يمكن أن نكون آدميين ونتجاهل حادث كهذا.

حتى لا ننسى، فى 24 أبريل من كل عام يجب أن نتذكر ما حدث عام 1915، عندما قتل من مليون إلى مليون ونص من الأرمن على الدولة العثمانية، عندما كانت تحارب مع دول المحور التى تحارب ضد دول الحلفاء فى الحرب العالمية الأولى، وقتها تم إجبار المئات من الأرمن بالسير لمئات الأميال إلى وتم حرمانهم من الطعام والماء، وتم صلبهم على عواميد، وقتلوا النساء وشقوا بطون الحوامل.

وحتى لا ننسى «مذبحة سيفو المذابح الآشورية» و«مذابح السريان»، وهى التى شنتها نظامية تابعة للدولة العثمانية استهدفت مدنيين آشوريين سريان أثناء وبعد الحرب العالمية الأولى، ويتراوح عدد ضحايا هذه المذبحة من 250 إلى 500 ألف شخص.

ومذبحة «رابطة بودو» التى ارتكبتها حكومة كوريا الجنوبية عام 1950 ضد الشيوعيي ن والمتعاطفين معهم، وقدّر خبراء عدد قتلى هذه المجزرة بما يتراوح ما بين 100 ألف و200 ألف قتيل، والأفغان كانوا ضحايا الإبادة الجماعية من قبل الاتحاد السوفياتى، حيث قتل جيش الاتحاد السوفياتى يصل إلى 2 مليون أفغانى.

وحتى لا ننسى فى عام 1998، شنت جماعة الهوتو والتى تمثل الأغلبية فى رواندا إبادة ضد الأقلية من توتسيى، حيث تم قتل ما يزيد على 800 ألف شخص فى فترة لا تتجاوز 100 يوم، وتعرض مئات الآلاف من النساء للإغتصاب، وانتهت الإبادة عندما نجحت قوة من المتمردين ذات قيادة توتسية يطلق عليها «الجبهة الوطنية الراوندية»، فى مواجهة المتطرفين وطردهم خارج البلاد.

فى كمبوديا، نفذت إبادة الجماعية من قبل نظام الخمير بقيادة بول بوت بين 1975 و 1979، حيث قتل من واحد ونصف إلى ثلاثة ملايين شخص، كانت سياسات الخمير الحمر تقوم على الترحيل القسرى للسكان من المراكز الحضرية، التعذيب، الإعدامات الجماعية، وانتهتالإبادة الجماعية فى أعقاب الغزو الفيتنامى لكمبوديا.

خلال الحروب الهندية الأمريكية، الجيش الأمريكى نفذ عددا من المذابح وعمليات النقل قسرى للسكان الأصليين فى أمريكا، فى أفعال اعتبرها بعض العلماء انها تشكل إبادة جماعية، مثل مجزرة الرمال الخور أطلق عليها أنها إبادة جماعية.

من ناحية أخرى، فإن كثيرون يرون أن سبب قوة اليهود اليوم، هو تاريخ الإبادة فى الذاكرة الجمعية والوعى الجمعى لهم، ولكن هذا لا ينفى حقيقة أنه إذا كان اليهود ينتقمون اليوم بسبب ما حدث لهم فى أفران النازى فهم ينتقمون ممن ليس لهم أى صلة بما حدث لهم فى الكارثة، أى أنهم يواصلون الانتقام من العدو الخطأ.

النقطة الأخيرة فى ما يخص الهولوكوست، والتى فى نظرى ربما أضرت بـ «ذكرى المعاناة» هو أن الحكومات الإسرائيلية على اختلاف توجهاتها اختارات أن تحقق مكاسب طوال الوقت من الهولوكوست، فباتت ذكرى المحرقة تتربع على خطابات الروؤساء وفى المفاوضات وفى الكواليس.. بشكل ربما جاء بنتيجة عكسية، وشعر العالم وخاصة أوروبا أنها دفعت الثمن ومنحت إسرائيل التعويضات ووقفت بجوارها ودعمتها وحان وقت غلق تلك الصفحة نهائيًا.

أما إسرائيل.. فتواصل الصراخ من الهولوكوست، بأنها لن تتكرر.. وهى حقًا لن تتكرر.. لأن يهود اليوم مختلفين تمامًا عن هؤلاء الذى ساقهم النازى إلى معسكرات التعذيب.. كلنا يعلم هذا.

كاتب المقال

سارة شريف

كاتبة وباحثة متخصصة في الشأن الإسرائيلي

اليوم الجديد