إلى الإسرائيليين: لديكم وعد إلهى.. وتفكرون فى زجاجات الشمبانيا؟!

12/1/2019 4:14:16 PM
89
كتاب اليوم الجديد

سارة شريف


 

اهتزّت الساحة السياسية فى إسرائيل، خلال الأيام الأخيرة، بعد توجيه تُهم الرشوة وخيانة الأمانة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو، رغم أنها ليست السابقة الأولى، فقبله كان إيهود أولمرت، لكن هذه المرة السماء سقطت على الأرض فى تل أبيب، لأن «بيبى» ليس مثل أولمرت.

بفحص دقيق للتهم التى وجهت إلى نتيناهو، وبدراسة ما قدّمه هذا الرجل لإسرائيل طوال العشر سنوات الماضيين، سنجد صعوبة فى فهم المنطق الإسرائيلى.

نتنياهو الآن متهم فى ثلاث ملفات هى القضية 1000، 2000، 4000 وتفاصيلها الجنائية على النحو التالى:

ملف 1000 – قضية الهدايا: وفقا للاشتباه، زوّد رجلا الأعمال ارنون ميلتشن وجيمز باكر بنيامين وسارة نتنياهو على مدى السنين بالسيجارات وبزجاجات الشمبانيا، وكذا مجوهرات بقيمة عامة تبلغ نحو مليون شيكل، ووفقا لكتاب الشبهات، فإن نتنياهو عمل فى تضارب للمصالح، ومدّد "قانون ميلتشن" الذى يمنح امتيازات ضريبية للسكان العائدين، كما توجه إلى مسؤولين كبار فى الادارة الاميركية كى يجددوا التأشيرة لميلتشن، التى تأخرت بعد المقابلة التى أجريت معها، وأشار فيها إلى أنه عمل من داخل الولايات المتحدة على إعطاء مساعدة أمنية سرية لإسرائيل.

كما أن نتنياهو مشتبه أيضا بأنه دفع إلى الأمام بمشروع الملياردير الهندى راتن طاطا، صديق ميلتشن، رغم معارضة الجهات الأمنية، وساعد ميلتشن على بيع أسهمه فى القناة 10 للملياردير لان بلفتنيك، فيما يقول نتنياهو بأنه لا يوجد أى محظور فى تلقى الهدايا من الأصدقاء، وأن المبالغ موضع الحديث أصغر بكثير مما يُدعى فى لائحة الشبهات.

الملف 2000 – محادثات نتنياهو وموزيس: وفقا للاشتباه، فقد أجرى نتنياهو وناشر "يديعوت احرونوت" ارنون نونى موزيس مفاوضات، أساسها صفقة: موزيس يغيّر طبيعة المنشورات عن نتنياهو إلى تغطية إيجابية، ومقابل ذلك يؤيد نتنياهو قانونا يمنع التوزيع المجانى لصحيفة "إسرائيل اليوم"، التى يملكها رجل الأعمال الأمريكى شلدون إدلسون المُقرب منه، وهكذا يؤدى إلى إضعافها وتعزيز قوة «يديعوت احرونوت»، إضافة إلى ذلك، وعد نتنياهو بالتوجه إلى رجال أعمال ومهتمين بشراء "يديعوت احرونوت" من موزيس، فيما يدافع عن نفسه نتنياهو قائلا: «كانت محادثات عابثة، ولم أعتزم تنفيذ أى صفقة مع موزيس».

أما «ملف 4000 – قضية بيزك واللا»، وفقا للاشتباه، منح صاحب السيطرة فى شركتى بيزك ويس رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وزوجته سارة تغطية إيجابية فى موقع «واللا» الذى يملكه، وتغطية سلبية لخصوم رئيس الوزراء السياسيين، وسمح للزوجين نتنياهو بالتدخل فى شكل المنشورات فى الموقع، مقابل سماح وزارة الاتصالات الخاضعة لتأثير نتنياهو بتنفيذ الدمج بين شركتى بيزك ويس، وحسب الاشتباه، وفر الوفيتش بذلك دفع ضريبة بمبلغ نحو مليار شيكل.

السؤال فيما إذا كانت الأفعال المنسوبة لنتنياهو فى لائحة الاتهام تتجاوز الحافة الجنائية، سيتم حسمها فى المحكمة.

أما فيما يخص انتقاده للنيابة للشرطة والمحققين الذين استجوبوه، فالنيابة العامة ليست نقية من الأخطاء، والمحكمة وحدها ستقرر بشكل نهائى، لكن التشويش الحقيقى لدى نتنياهو ليس فى هجومه على النيابة، بل فى هجومه على المؤسسات التى يديرها وعلى الأشخاص الذين عيّنهم بنفسه.

نتنياهو لم يُولَد مُذنبا، ولا يمكن القول بأنه اختار المخالفات الجنائية طريق حياته، لوائح الاتهام تشير أنه متورط، لكنها لا تشرح لماذا هو يتصرف بهذا الشكل؟

فهو رئيس وزراء ذكى جدا، صاحب عقل لامع، لا يمكن أن يتورط فى تهم مثل هذه؟ لكن ثمة شئ ما هو الذى ورطه، وهو "الشبع".. نتنياهو لا يعرف الشبع، وفى الثقة بنفسه المبالغ فيها، بإحساسه الدائم أنه قادر على أى شيء، وبإمكانه فِعل أى شئ.

هو يفهم جيدا ما الذى قدمه لإسرائيل، بجانب أنه رئيس الوزراء الأطول عهدا، الذى حطّم جميع الأرقام القياسية، لكنه أيضا صاحب «إرث» من النجاحات لم يحققها أحد قبله.

هو الذى بسببه تم الاعتراف الأمريكى بالقدس عاصمة، وبالسيادة على الجولان، ومؤخرا بأن مستوطنات الضفة قانونية، وبسببه خلقت إسرائيل علاقات قوية مع دول عديدة فى العالم فى الشرق الأوسط وآسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.

لكنه فى النهاية، ووفقا للسياق الإسرائيلي، هو أخطأ وارتكب مخالفات، ووفقا للنظام الذى وضعته إسرائيل لنفسها فهو يستحق العقاب ولا يستحق الوقوف على رأس الحكم، وهو ما يجعلنا نتشوش فى فهم عقل الإسرائيليين، لديكم وعد إلهى وتفكرون فى زجاجات الشمبانيا التى لم يدفع ثمنها «بيبى»؟!

كاتب المقال

سارة شريف

كاتبة وباحثة متخصصة في الشأن الإسرائيلي

اليوم الجديد