الهروب إلى الماضي

10/30/2019 9:48:40 PM
140
كتاب اليوم الجديد

حسام الأشقر


 

يأنس كلٌّ منا فى العودة إلى الماضى، مهما كان عُمره، ومهما كان مابلغه اليوم من ثراء أو سلطة أو وضع أدبى، نتأسى على لحظات فاتت وأزمنة مرَّت سريعا، ونودّ لو أن الزمن يعود إلى الوراء قليلا لنتشبث به ولا نفارقه، ونسكن لحظاته، ونملى أعيننا من مظاهرة التى غابت عنا بلا رجعة، لكن السؤال الجدلى: هل حقا الزمن الفائت كان أفضل من زمننا الحالى؟

أعتقد أن الإجابة لدى الجميع هى: نعم، فلماذا نعم؟

من الواضح أن الحياة فى طريقها إلى الأمام، اعتادت أن تأتينا بما نحب ونكره، ومن الواضح أننا كلما ذهبنا بالزمن بعيدا، كلما تدهوت أمور كثيرة، كما لو كنا نركض نحو نهاية حتمية لكل ماهو جميل فى شتى مناحى الحياة، نسمع مِمَّن سبقونا عن روعة زمانهم، كما سمعوا ممن سبقوهم، يتعجب صغارنا مما يسمعون وتزداد دهشتهم، عندما يعلمون أننا عبرنا خمسة عقود من أعمارنا قضينا معظمها بلا موبايلات ووسائل تواصل كما يفعلون!

ينبهرون عندما يحكى لهم الأجداد عن حياتهم، وكيف مرّوا فيها بأقل وسائل الحياة، ونقف نحن جيل الآباء، بينهما تعلو وجوهنا ابتسامة الرضا عما جادت به الحياة علينا، لكن لاتزال حياة الماضى تحتلُّ المساحة الأكبر من خيالاتنا وتشدنا مفردات الماضى إليها بعنف بعد ما شهدنا اليوم من انفلات خلقى ونفسى أدى بالجيل الحالى إلى بؤر سحيقة من اللاوعى .

غابت القيم التى مشينا عليها كالقضبان، تلاشت المُثل، وانعدمت الضمائر، وتدنت الأخلاقيات إلى ما دون الحضيض، غاب المَثل الأعلى واندثرت روح الشهامة، وتجرد معظم أبناء الجيل من معانى الخجل والاحترام، تبدلت المفردات بـ"كلمات أشبه بالكلمات"، وتشوهت مظاهرهم إلى أدنى درجة، فلم تعد تعلم إلى أى الجنسين ينتمى الكائن السائر أمامك.

لم تعد تخجل البنت من استخدام كلمة "صاحبى"، التى كانت تعد جريمة لفظية فى زمننا، ولم يعد يخجل الشاب من منافسة البنت فى طول ضفائرها وارتداء ملابسها، لم يعد "البلطجى" يخجل من سلوكياته بل يتفاخر بها ويحوز على إعجاب جيرانه ومحبيه، لم يعد أحد منهم يعرف ولا يكتب ولا يقرأ ولا يعلم من أموره شيئا، تصحرت عقولهم ولم يحاولوا تغييرها، ندرت إبداعاتهم ولم يتخذوا ممن سبقوهم عِظة ولا عِبرة. تكاسلوا وتواكلوا، ولم يجيدوا إلا سلاطة اللسان ووقاحة المظهر وإدمان المحرمات، ذلك هو تشخيص معطيات الزمن الحالى.

أما ماقد ولى ومضى فلا نملك إلا الترحم عليه، فلا أحد من أبنائه قد تطاول على من سبقه بتجربة أو عمر أو خبرة، لم يتخطَ أحد منهم قيود الأخلاق ولا مبادىء العائلة. وكان كل ذى خطيئة يتوارى، كانت الشهامة سائدة، والرجولة تنبض فى سلوكياتهم، وكانت بنات زمنى تخجل أن يُرى منها ما لا يجب أن يرى، المثل العليا كانت لها حظوتها وقيمتها، تأصلت داخلنا القيم وتعمقت معانيها، لم نتواكل يوما ولم نيأس، كلنا ثابرنا وصبرنا، تعلمنا وفشلنا، لكن كان داخلنا إيمان بأن الأمل هناك فى نهاية النفق وماعلينا إلا أن نعدو اليه، وهذا ما فعلناه.

وبمقارنة الماضى مع الحاضر، ستكون الغلبة للماضى بكل تأكيد، حيث تجلت فيه العلاقات الإنسانية فى أجمل صورها، على عكس الحاضر الذى تاهت فيه العلاقة بين أفراد الأسرة الواحدة، سيفوز الماضى بما كان فيه من شعور بالرضا بأقل القليل، وسيخسر الحاضر الذى افتقد القناعة بما فيه من كثير، سيفوز الماضى الذى ذخر بمثل وقيم وأخلاقيات غابت عن ذلك الزمن القبيح.

لانملك اليوم إلا أن نقاوم سخرية أبناء هذا الجيل الرافض لكل ماهو إنسانى وأخلاقى، وندعو لهم بالهداية.  

كاتب المقال

حسام الأشقر

اليوم الجديد