جوازة والسلام

10/27/2019 3:36:06 PM
217
قراء اليوم الجديد

نهى هنو


فى مصر تحديدا وفى الوطن العربى يشغل الزواج والانجاب حيزا كبيرا من تفكيرنا عكس العالم الغربى الذى يعطى الاولوية الاكبر للعمل وعلى الرغم انه امر طيب شرعه الله يحقق السكينة والمودة الا انه للاسف يتحول الى كابوس احيانا لشدة معتقداتنا الخاطئة عنه وتحميله اكثر مما يحتمل ، بدون شك الزواج هو مسؤلية تحتاج الى طرفين ناضجين يستطيعون ادارة الحياة بهدوء وحكمة ولكن مجتمعنا ،تعانى فيه المرأة العربية  فى هذا الامراكثر نظرا لما يجبرنا على الالتزام بعلاقات شرعية فى اطار الزواج وليس كما يحدث فى المجتمعات الاوروبية الاخرى التى تتيح للمرأة تكوين علاقات غير رسمية والانجاب منها دون زواج والعيش بحرية دون قيود ،و بغض النظر عن حالتها الاجتماعية ، فلا فرق بين انسة ومتزوجة لم تنجب وبين زوجة انجبت وبين مطلقة.

أشعر ان المجتمع وضع فينا معتقدات خاطئة وحينما خرجنا الى مُعترك الحياة وجدنا ان نصف ما تربينا عليه كان خاطئ وانها مجرد خرافات تعيش فى عقولنا ،فسن ال 30 هو سن النضج وليس سن العنوسة اذا جاز لى هذا التعبير،سن الانطلاق وتحقيق الاحلام والطموحات وسن الشباب والطاقة والحيوية والسعادة ،لم يخشى الرجل من المرأة القوية الا اذا كان ضعيفا فالرجل الحقيقى يحب بل ويبحث عن امرأة قوية يستند عليها احيانا بل ويكن لها كل إحترام،احيانا ضل الحيطة افضل من ضل رجل غير قادر على تكوين علاقة سليمة وانجاب اطفال اسوياء وان ما يعيب الرجل ليس جيبه ولكن قلة اخلاقه ودينه.

نجد انه عندما تستقل المرأة وتنجح فى عملها وتسعى وراء طموحها يظل المجتمع يلاحقها بالزواج وينهال عليها الكثيريين حولها بالاسئلة الكثيرة ( متى ستتزوجى؟ ، الم يحن الوقت لكى تكونى اسرة؟ الم تخشى تقدمك فى العمر؟ ضل راجل ولا ضل حيطة ،الراجل ميعبهوش الا جيبه ،الم تجدى رجلا مناسبا حتى الان؟ ، المهم تتجوزى اهو جوازة والسلام ) الخ من هذه العبارات التى نالتنا جميعا  وتحول الامر الى تقضية واجب والحصول على عريس ذهبى لولبى كما كانت تفعل علا عبد الصبور فى "عايزة اتجوز"،اصبح الفتيات يتهافتن وراء العريس كى تتم خطبتها وتحقق الانجاز الكونى وكان الامر اصبح حربا من سيفوز فيها اولا ، اما عن المتزوجة ولم ترزق بالاطفال فهى تظل فى خانة ايضا التساؤلات ( هو العيب من مين ، مش ناويين تفرحونا ، مش حتجيبى عيل تانى؟،مستنين ايه؟ ).

اما عن المطلقة فحدث ولا حرج فهى تلك المرأة المتمردة التى تشبه الفرسة التى لا لجام لها وكأنها ارتكبت جريمة وليست مجرد انسانه انهت حياة ترى انها لا تستطيع الاستمرار فيها الى اى سبب من الاسباب فهى مذنبة دون سبب حقيقى.

و على الرغم من تعدد الحالات والالقاب والاسئلة الا انه فى النهاية الجميع مُحاصر من اعين الغير لا يسلم منه ولا من نقده وتجريحه واساءته وتدخله فى خصوصياته وشؤونه.

الزواج هو بداية لحياة جديدة وليس هدفا فى حد ذاته ولكن فى مصر الوضع مختلف فمنذ ان تولد الفتاة وتكبر وتنشئ لا يتم وضع شئ فى رأسها سوى انها لابد ان تتزوج حتى وان كانت زيجة فاشلة مع رجل غير مناسب لكن الاهم هو انها بلغت ال 30 من عمرها او انه القطار سيفوتها لنجد نماذج لا حصر لها من النساء البائسات التى فرض عليهن واقعا اليما فقط لارضاء المجتمع ووحدها تدفع التمن ان اخطأت فى الاختيار واساءته وانجبت وتحملت عبء تربية الابناء.

لا احد يعيش مكان احد ولا يقوم بدوره وللاسف من يحاول ارضاء الناس يفشل هو ويخسر نفسه فى النهاية.

و على الرغم من سهولة الامر وانه يمكن لاى فتاة ان تتزوج اول رجل يطرق بابها دون تدقيق او اختيار اعمالا بمبدأ "عايزة اخلص وخلاص" الا ان هذا ليس هو الغاية لكن الغاية هو مشاركة الحياة مع شخص اخر ليضيف اليه شئ جديد كالسعادة والتراحم والمودة وليس الحزن والمشكلات والاهانات والتقليل من شأنها الا ما الجدوى اذا من الزواج؟.

و لا يختلف الامر اذا كانت الفتاة تعيش فى حارة شعبية او كانت حتى طبيبة ذات مكانة رفيعة الثقافة البائسة واحدة للاسف فى مصرو لكنها بالطبع تزداد تعقيدا كلما قل المستوى التعليمى والاجتماعى ايمانا منهم ان الزواج سترة للبنت وانه اخر ما فى الحياة ولا شئ بعده وهذا نظرا للانغلاق الشديد الذى تعيشه بعض المجتمعات كمجتمع الحارة ومجتمع الريف ومجتمع البدو ومجتمع  الجنوب ،فهناك من تبلغ سن ال 15 دون زوج واسرة هى عانس وانتهت حياتها !!.

كثيرات يلهثن وراء الرجل وكأنه غاية الحياة ، لا انفى ابدا انه شئ غاية فى السعادة حينما يجد الانسان ما يشاركه تفاصيله ولكن هل هذا عن شعور حقيقى ام مجرد وهم وملئ فراغ عاطفى واسكات السنة الناس؟ ، هل خلقنا الله فقط للزواج ام انه يوجد فى الحياة رسائل اخرى علينا ان نقوم بها وندركها؟

من اجل هذا الضغط المجتمعى الشديد الذى يقع على عاتق الفتاة نجد ان الكثير من الفتيات تخضعن للقبول بأى شئ وانا لا استطيع لومها فما نتعرض له شئ غاية فى السوء ، البعض منهن ترضى بأقل مما تستحق خشية عدم وجود فرصة اخرى ، والاخرى تهرب من بيت ابويها لشدة الخلافات فيه فهى تبحث عن حضن اخر ربما يصبح ملاذا امنا وربما يتحول الى جحيم اذا كانت تعيش مع رجل غير سوى او غير ناضج او غير متحمل للمسؤلية ، تضطر احداهن احيانا الى التأقلم مع شخص لا يشبهها اجتماعيا او فكريا فقط لانها تبحث عن مشاعر حقيقية وحياة سعيدة الى ان تفيق ذات يوم على مأساة كاملة نتيجة ما افرطت فيه من حق نفسها وبالنهاية تفشل الزيجة ، منهن لم تستطع ان تتحمل مزيد من النظرات والكلمات التى اصبحت تطعن فيها كل يوم دون رحمة فهى تود الخلاص بأى طريقة ولكن للاسف لن ينتهى ابدا هذا لان المجتمع لديه عدد من الكلمات التى لا تنتهى  عند مرحلة معينة فهو عرض مستمر بلا نهاية فلا احد يسلم من احد والنتيجة ازدياد الكثير من حالات الطلاق.

على الجانب الاخر يتزوج البعض لانه لا يعانى اى ازمة مادية ويريد الاستقرار لكن لسرعة الامر وعدم الاختيار السليم او عدم النضج الكافى او صغر السن لن تكتمل ايضا بعض الزيجات فهى ايضا تضم نفس الشعار "جوازة والسلام ".

اعلم ان الامر لم يعد سهلا على الاطلاق وان الوقوف امامه ومواجهته يحتاج الى كثير من الصبر والقوة والثقافة والوعى وتحقيق النجاح والطموح وعدم انصباب الاهتمام عليه فقط وان الوحدة خير من رجل يشعرك معه بالوحدة  لكن يظل هذا هو الافضل من شئ يؤدى بصاحبه الى الفناء  فقط لارضاء الناس ومن حوله ولا يصل الى شئ سعيد فى النهاية.

اعلم واعى جيدا ان كل فتاة قررت الانتظار ومحاولة عدم الانسياق وراء كل ما يحدث ومحاولة اختيار الرجل الذى يناسبها بحق هى وفتاة قوية جدا مثلها كباقى النساء تريد ان تتزوج ولكن عن اقتناع واختيار ترضاه  لنفسها وليس اختيار المجتمع لها هى ايضا شجاعة جدا حتى وان كانت تعانى احيانا لكنها صامدة لانها تعلم جيدا ماذا تريد ولا ترضى بأقل مما تستحقه حتى وان كان "رجل مناسب" من وجهة نظر البعض ماديا لكنها لم ترى نفسها وحياتها معه فهى امراءة ناضجة جدا .

اطمىئنى عزيزتى ستحصلين على ما تريدين وما تستحقين لكن بإرادتك فقط وبكامل حريتك وليس إرادة من حولك.

لم يعد سن ال 30 هاجسا فقد تغيرت كثيرا الفتيات الان واصبحن اكثر وعيا بالحياة ومتطلباتها ويعلمن اهمية تحقيق طموحهن اولا ثم تكوين حياة سليمة ومن لم يجد نفسه اولا لا يستطيع ايجاد من يشاركه حياته الخاصة فيما بعد ، ايضا لتغير الظروف الاقتصادية اصبح يعى الكثير تكاليف الزواج وان الامر اصبح اكثر تكلفة كمن قبل ولارتفاع حالات الطلاق الكبيرة المتزايدة المُسرعة فأصبحن الكثيرات محاولة التعلم من اخطاء من حولهم فبالتأكيد شكل المجتمع يتغير ولكن مازال الاتفكير السائد هو ما نتحدث عنه.

و اخيرا كثيرا ما نردد ان الرجل والمرأة يكملان بعضهم البعض وهذا خطأ فادح وقعنا فيه جميعا الرجل والمراة مكتملان دون بعضهم البعض ولكن وجودهم سويا يحقق الاضافة السعيدة ودون ذلك هو غير صحيح وللاسف نردد جميعنا هذا الكلام دون وعى.

سافرى الى بلاد العالم ،شاهدى اناس مختلفين وثقافات جديدة ،اقراءى كثيرا وتزودى بالعلم والمعرفة فهما سلاح العصر ، اهتمى بعملك جيدا وطموحك واحبى نفسك كما هى واقبلى بها وبأخطائها واكتشفيها اولا وحينها ستجدين من يستحقكك عن حق ولا ترضى بأى جوازة والسلام.

كتبت / نهى هنو

10-9-2019

اليوم الجديد