أكتوبر.. التاريخ والحاضر

10/5/2019 4:59:38 PM
113
كتاب اليوم الجديد

حسام الأشقر


 

أكتوبر 1973، تاريخ لن يُنسى من ذاكرة الأمة المصرية، فيوم السادس من أكتوبر لم يكن عبورا من ضفة إلى ضفة من القناة فحسب، بل كان عبورا من حقبة اليأس والإحباط والهزيمة إلى حقبة الكرامة والزهو والانتصار. فحال المصريين قبل هذا التاريخ لا يخفى على أحد، فكم كانت المرارة شديدة فى مشهد جنود العدو، وهم يعبثون على بضع أمتار على الضفة الشرقية للقناة، وقد بلغ بهم الكبرياء والخيلاء مداه، وظنوا أنهم باقون إلى الأبد، وذهبوا بعيدا عندما قال وزير الدفاع لديهم إن المصريين إذا أرادوا الانتصار فعليهم استيراد البحرية البريطانية والطيران الأمريكى والغواصات الألمانية، وهكذا بما يرمز إلى استحالة الأمر عليهم، وحقا كان ذلك فى الظاهر حيث كنا خلفهم بسنوات بسبب المساندة الأمريكية التى أمدتهم بكافة الأسلحة التى ضمنت تفوقهم.

لكن لم يدر بخلدهم أن العقلية المصرية، هى التى تحرك الآلة وليس العكس، تجلت العبقرية المصرية فى عدة أمور، كان أولها اختيار ساعة الصفر فى منتصف نهار السادس من أكتوبر، ثانيا كانت فكرة الراحل باقى زكى بشق خط بارليف بخراطيم المياه نقطة تحول فى المعركة، ثالثا معجزة جندى المشاه الذى تولى أمر الدبابات وهو سائر على قدميه، رابعا، أوركسترا سلاح الطيران الذى وفر الحماية للجنود العابرين، خامسا، دور القوات الخاصه التى قامت بمهام لا يقوى العقل على تصديقها، ومن وراء كل هؤلاء شعب عظيم ساند قادته وقواته حتى يزيل آثار العدوان، وتحمل فى سبيل ذلك كل الظروف اليومية الصعبة حتى تحقق الانتصار المبهر.

ستة وأربعون عاما مرت على ذلك الانتصار التاريخى، ما يعنى أن نسبة من لم يروا أكثر بكثير من نسبة من عاش تلك اللحظات، ودائما من سمع ليس كمن رأى. وهنا دور الدولة والمؤسسات المعنية والعاملين فى مجال السينما. إن لديكم مادة درامية يمكن أن ثرى صناعتكم لسنوات قادمة. وانظروا كم عدد الأفلام التى تم إنتاجها عن الحرب العالمية، وكيف كان تأثيرها على أجيال عديدة. نريد تحالفا عسكريا سينمائيا إعلاميا من أجل تسجيل تفاصيل هذا الانتصار. فالصورة بألف كلمة فى عصرنا الحالى الذى ندرت القراءة فيه. الشباب فى حاجة ماسة لأن يشاهدوا ماذا صنع الآباء والأجداد حتى لا تكون القصص التى نرويها مجرد كلمات تتطاير مع انتهاء الندوات التى نعقدها هنا وهناك. لابد لهم أن يعلموا ويشاهدوا أن من سبقونا قد تركوا لهم العزة والانتصار والكرامة وإلا كانت حياتهم الآن فى مهب الريح، تركوا لهم انتصارا متوجا بالسلام الذى جنبهم أنفسهم مخاطر الحروب وويلاتها. وعليهم أن يعلموا أن الثمن كان فادحا والتضحيات كانت عظيمة.

نريد عملا سينمائيا ملحميا عن أكتوبر وما قبله وما بعده. فالدولة تتبنى الآن فكرة التنمية المستدامة، تلك التنمية التى تتناول مشروعات عدة فى كل أنحاء مصر، ولا تقل تنمية العقول وغرس الروح الوطنية أهمية عن التنمية المستدامة بل ربما من الأهمية بمكان أن نبدأ بها حتى يستشعر شبابنا ماذا يعنى البناء بعد الدمار والحروب، ويعلموا كم معنى الانتماء ويقدروا معنى التراب الوطنى. وخير مثال على ذلك مسلسل رأفت الهجان الذى استقر فى الوجدان بعمق، وأصبح أيقونة للتضحية فى سبيل البلاد، حيث تسلل إلى الوجدان المصرى لأنه قد مسَّ وترا فى منتهى الحساسية لديهم.

تحية لأبطال أكتوبر الأحياء والشهداء، وفى مقدمتهم الزعيم الخالد أنور السادات، الذى أدار المعركه بعبقرية نادرة، كما أدار معركة السلام بنفس الكفاءة حتى حرر كامل الأرض ورفع علم مصر عاليا، وستظل أكتوبر المناسبة الوحيدة التى تؤرخ لأول وآخر إجماعا وتوافقا عربيا حتى الآن.  

كاتب المقال

حسام الأشقر

اليوم الجديد