اعرف عدوك

9/28/2019 4:38:17 PM
211
كتاب اليوم الجديد

أحمد طارق

القوى الخارجية لطالما استهدفت من يمثل الشعب المصرى لتشكك فى مصداقيته تركيا وقطر تتحسسان خطواتك وتنتقدان أى صفقة جديدة أو نجاح تحققه


 

منذ مائة عام كاملة، وتحديدا فى 22 سبتمبر 1919 شكلت الحكومة البريطانية لجنة برئاسة ألفريد ملنر وزير المستعمرات، مهمتها الرئيسية التشكيك فى مصداقية تفويض المصريين لسعد زغلول لتمثيلهم فى مفاوضات ما بعد الحرب العالمية الأولى، عبر استطلاع آرائهم فى أسباب الثورة، والمفاجأة هو استجابة المصريين لزعيمهم ومقاطعة اللجنة وعدم التعامل معها، حتى أن بائع الخضر البسيط حينما سأله أعضاء اللجنة عن أسعار الطماطم، أجاب "اسألوا سعد باشا زغلول".

أليس هذا برهانا كافيا أن التاريخ يعيد نفسه؟! وأن القوى الخارجية لطالما استهدفت من يمثل الشعب المصرى لتشكك فى مصداقيته؟ ولكن لماذا الآن؟ وما وجه الاستفادة؟

ببساطة الشعب منح رئيسه تفويضا جديدا بعد الذى منحه فى الميدان، ليتحمل فاتورة الإصلاح الاقتصادى التى كانت لتكون قاسمة لغيرنا من الشعوب، وذلك فى سبيل تحقيق تنمية مستدامة تستفيد منها الأجيال المقبلة، ولن نحصدها بين ليلة وضحاها.

ليستمر الشعب المصرى فى إفشال كل تنبؤات التحاليل والتقارير الاستخباراتية عن مزاجه العام وتوجههاته، فبعد أن اعتاد لأربع عقود على الدعم والتضخم والميوعة بين اقتصاديات السوق الحر وإرث القطاع العام، وضخامة البطالة المقنعة فى الوظائف الحكومية وتردى البيروقراطية؛ لن يصمد فى اختبار تعرية كل تلك المساوئ وبترها بقرارات الإصلاح الاقتصادى.. ولكن هيهات.

من المستفيد؟

إذا كانت القوى العظمى تتناحر لتسقط بعضها، فما بالك بصعود وطنك مصر بقوة قد تناطحهم يوما ما، وذلك بسواعد وعقول أبنائها وبخيرات أرضها، هل سترضى عنك بريطانيا أو فرنسا أو حتى الولايات المتحدة الأمريكية التى تسعى دائما لوضع إسرائيل أمامك بخطوات؟

وإذا اقتربت بالنظر فى الخريطة لتجد تركيا وقطر، تتحسسان خطواتك وتنتقدان أى صفقة جديدة أو نجاح تحققه، وفى نفس الوقت يسعيان إلى امتلاكه "كومبو فاخر" فإن امتلكت صفقة "رافال" انتقدوك ثم سارعوا لامتلاكها، فاليوم وبعد أن تخلصت مصر من ورمها السرطانى المتجسد فى جماعة الإخوان الإرهابية وبدأت التعافى، تريد تلك القوى أن تستفيد من خلاياه النائمة فى الداخل وأذنابه فى الخارج لتهاجم جسدك حتى لا يغادره المرض.

ولكن لماذا الإخوان؟ ذلك لأن ولاءهم لأنفسهم وليس للوطن، حالهم كحال فرق كثيرة مرت بمصر.

من المأزوم؟

لم تكن رسائل مدانى جماعة الإخوان الإرهابية من السجون وضغطهم المستمر على قيادتهم لعقد مصالحة، حتى تصفح عنهم السلطة ويختزلوا سنوات العقوبة هى الدافع الوحيد، فعلى نفس الوتيرة أقرانهم الهاربين من شباب الجماعة باتوا يأنوا عبر صفحات التواصل، غير محتملين حرمانهم من العودة لزيارة ذويهم، وكأن ما وُعدوا به من جنة الجماعة فى الخارج تؤرقهم، وشوقهم يدفعهم إلى مصر التى عاثوا فيها الفساد وحينما غادروها سبوا أهلها وتوعدوهم.

ينضم إلى تلك الزمرة ذويهم من أبنائهم وأقرانهم، ممن رأفت بهم عدالة القضاء بأحكام البراءة، وخرجوا غير متعظين من نجاتهم من العقاب، منتظرين اللحظة لإعادة إشعال الفتنة وصولا إلى الفوضى بوصفها الحل الوحيد لخروج المدانين وعودة الهاربين.

هؤلاء وأولئك وقيادتهم.. بيننا وطن سعيتم لدماره، وتراب الوطن الحر لن تمسوه إلا جثامين يواريها الثرى، فلا تصالح.

من العميل؟

العميل والخائن هو كل من تسول له نفسه أن يعلى مصلحته الشخصية على حساب وطنه مستقويا بالخارج، فالمصريين لم يستجيبوا يوما لمن خاطبهم من خارج الحدود، مهما حاول إيهامهم بأنه يشبههم تظل عبقرية الوعى المصرى سلاح هذا الوطن للاستمرار، فما بالك بمقاول فاسد تستخدمه الأجهزة الأجنبية لتحريض رواد السوشيال ميديا ضد القوات المسلحة ومؤسسات الدولة.

إذا كان هدف 25 يناير 2011 الخارجى فى إفساد العلاقة بين الشعب والشرطة، ولم ينجح، فما يحاك حاليا يستهدف الاستمرار لإفساد ذكرى انتصارات أكتوبر لاستهداف أساسات الدولة المصرية واستقرارها وضرب حصن العقيدة الوطنية إذا تناسى الناس مفهومها.

المقاول العميل يستخدم كل الحيل النفسية عبر فيديوهاته، خاصة فى مرحلة التمهيد والانطلاق من خلال ملابسه ذات اللون المحايد (أبيض وأسود)، ولغة الحوار البسيطة والإيهام باستخدام منطق المواطن البسيط والتدخين للإيحاء بعنصر القرب كأنه يجالسك فى مقهى أو كافيه، والخلفية البيضاء والبحر المفتوح حتى تقع فى فخ الخيال لتصدق ما يقوله.

أما المرحلة الثانية فمرحلة التحريض والتوجيه، والتى فضحت نواياه بالتحريض ضد نواب البرلمان، واستهداف المنشآت الحيوية (مطارى القاهرة والأقصر)، ومدينة الإنتاج الإعلامي، للسيطرة على مفاصل الدولة بالمنهج الأردوغانى الإخوانى، كما فضحه استخدامه لفيديوهات بعينها لم يشاهدها هو، وأرسلها له قيادات الجماعة الهاربة فى تركيا وقطر، وظهر هذا على صفحاتهم جميعا بشأن التواصل والإمداد بالمعلومات.

وفى مكان آخر من الكرة الأرضية يطل علينا، الناشط وائل غنيم، بعد طول غياب ليصدم الناس بحلاقة حاجبيه ورأسه والقيام بحركات الجنون، ليجتذب من آمن به خلال تصاعد الأحداث فى 2011، ويخاطبهم بلغتهم المليئة بالسباب والألفاظ النابية مدمجة بعلوم التنمية البشرية والصحة النفسية حتى تكون توليفة الوهم التى لا تختلف عما صنعت به المخدرات التى دخنها خلال فيديوهاته.

ومع استمرار التصعيد عبر فضاء التواصل الاجتماعي، خرج العميل القديم عمر عفيفى، لينظر فى آليات الاحتجاج ونصائح للثوار وأساليب التعامل مع قوات الأمن وحشد الجماهير للخروج فى ثورة، كُتبت لها شهادة الوفاة قبل الميلاد.

ما هدف المؤامرة؟

تلك المؤامرة تستهدف إسقاط الدولة بالكامل وليس النظام الحاكم، والقضاء على الجيش المصرى دون معركة عسكرية، من خلال زعزعة الثقة بين المواطن المدنى والجندى الذى يحمى الوطن.. فسقوط مصر فرصة ذهبية لكل القوى العظمى والإقليمية لممارسة نفوذها الكامل وبشكل مطلق فى المنطقة وتقاسم الإدارة، بغض النظر عن رغبة الشعوب العربية التى تعبر عنها مصر فى المحافل الدولية المعلنة وغير المعلنة.

لن يستطيع إنفاذ صفقة القرن وإعلاء صوت المال على حساب القضية الفلسطينية إلا بسقوط مصر، ولن تستمر الفوضى فى ليبيا إلا بسقوط مصر، ولن يستمر الشعب السورى فى محنته إلا بسقوط مصر، ولن يستطيع نظام الحمدين فى قطر أن يصعد على رقاب أشقائها العرب إلا بسقوط مصر.

أما الهدف الثاني، هو إفلاس مصر، لأن أى حراك هدام من شأنه وقف عملية التنمية المستدامة ووفاء الدولة بالتزاماتها تجاه صندوق النقد الدولى والبنك الدولى، لتبدأ الحكومة فى أولى إجراءات التقشف بوقف الحوافز عن الموظفين ثم عدم قدرتها على سداد المرتبات، وصولا إلى حد الإفلاس الكامل.

ختاما.. الشعب استجاب لرؤية التنمية ويتحمل فاتورتها، ليحقق حلم رخاء الوطن لأجيال بعد أجيال، ومن تسول له نفسه لاختطاف هذا الحلم ستلاحقه الكوابيس فى المنام واليقظة؛ أملا فى الفرار من غضب شعب واعٍ وصبور.

كاتب المقال

أحمد طارق

اليوم الجديد