المناظرات الأدبية

9/17/2019 7:20:45 PM
113
كتاب اليوم الجديد

حسام الأشقر


 

 تمثل المناظرات الثقافية عامة والأدبية على وجه الخصوص إحدى روافد الزخم الثقافى فى المجتمعات المتحضرة، لا سيما إذا حظى أربابها بشهرة عالمية تخرج بتلك المناظرات من النطاق المحلى إلى العالمى. وقد استلفت نظرى فى هذا الصدد إحدى أهم المناظرات التى حظيت باهتمام النقاد، وكانت بين مفكرين وأديبين كبيرين فى بريطانيا أولهما الأشهر (ت. س. إليوت) والثانى بيتر أكرويد (1949- ) روائى وناقد معاصر، وينتمى إلى جيل ما بعد الحداثة والذى تمثل رواية حريق لندن العظيم (1982) باكورة إنتاجه، تلتها روايات أخرى تأخذ كل منها أحد أعلام الفكر والثقافة الإنجليزيين، أمثال أوسكار وايلد وتشاترون وتشارلز ديكينز، كنقطة انطلاق لها. ولا ريب أن أهم ما كتبه أكرويد هو السير الذاتية لأعلام نجح بها فى سبر غور جذور الثقافه البريطانية، ومن هؤلاء الأعلام الشاعر والناقد (ت. س. إليوت).

  بيد أن أكثر ما يلفت الانتباه فى أعمال أكرويد، هو ذلك العنوان الذى يحمله أحد كتبه: "ملاحظات حول الثقافة الجديدة"(1976) لأنه يستدعى إلى الذهن كتاب إليوت الذى يحمل عنوانا مشابها: "ملاحظات تجاه تعريف الثقافة"(1962). وفى هذا الصدد يفرّق الناقد بيتر كونراد بينهما بقوله: "إن ملاحظات إليوت ذات الشخصية المميزة قد منحت مقالته عنوانا مراعيا لرغبات الآخرين، بالرغم من أن هذه الملاحظات ليست مرتجلة أو منذرة بما سيحدث فى المستقبل. إنها تشكل نوعا من الموعظة أو الخطب المملة. بينما ملاحظات أكرويد ليست بيانا ثوريا بابويا، لكنها سلسلة من الصواريخ الخطرة التى تم تصميمها لكى تلقى بالقارئ فى عملية إعادة صياغة للآراء القائمة بالفعل."

وتستند المقارنة فى هذا الصدد الى أنه فى الوقت الذى تناول فيه إليوت فى ملاحظاته ثلاثة مستويات للثقافة، والتعريف بالطوائف الاجتماعية ووحدة واختلاف الأقاليم ومرئياته تجاه الثقافة والسياسة، فإن أكرويد انتهج منهجا مغايرا فى تعريفه بالثقافة الجديدة كان حجر الزاوية فيه هو اللغة. ومن خلال بوتقة الثقافة أيضا تناول أكرويد ظهور الحداثة، واستخدام الجماليات واللغة والذات والفلسفة الإنسانية. إذ يقوم منهجه على فكرة أن الثقافة الإنجليزية بدأت تتدهور، ولم تعد قادرة على مواكبة التطورات الحديثة والمتجددة، وذلك بفعل "التزامها الرجعى بالقيم الإنسانية". وهنا يفرق أكرويد بين ما يسميه "النظره الثقافية الحديثة والنظرة الإنسانية"، إلا أنه يستخلص أن كليهما تتميزان "بالمواقف المحترمة تجاه الذات والعالم واللغة".

 من ناحيه أخرى، يقول أكرويد فى ملاحظاته: "أثناء كتابتى عن إليوت، لم أكن مهتما بإليوت كشخصية حقيقية، بل كنت مهتما بخلق إليوت جديد، شعورى تجاهه يماثل شعور الكاتب تجاه شخصياته". ويعود ليؤكد أن انطباعاته عن الأدب الإنجليزى عامة، وعن إليوت خاصة، أنه أدب الانتحالات، ومن هنا فإن "شخصيات إليوت هى شخصيات مراوغة لأنها ليس لها نقطة ارتكاز، فهو يوظف لغة القصائد والاقتباسات المباشرة والمعارضات الأدبية والتعليقات العامة ويعطى لكل منها استقلالية"، حيث يؤكد إليوت فى ذلك أنه "لا توجد دولة بعينها تظل مبدعة فى الشِعر لفترة لا نهائية، إذ تأتى فترات تراجع عندما لا يطرأ جديد حيث يتغير مركز الاهتمام من هنا إلى هناك. كما لا يوجد فى الشعر ما يسمى أصالة كاملة بدون لجوء إلى الماضى".

وجدير بالذكر أن من نقاط الاتفاق فى المناظرة أن كلا الكاتبين قد تراجعا عن بعض آرائهما، إذ يذكر إليوت كيف أن فقرات معينة فى ملاحظاته ظهرت كمجموعة من المتناقضات، موضحا "قد حاولت أن أبدو مقنعا إلا إننى لست متأكدا تماما من ذلك!".

فى حين جاء تراجع أكرويد عن بعض آرائه فى إجابته حيال تفضيله للحداثة عن النزعة الإنسانية، حيث قال: "لم يعد ذلك يتفق مع ما أكتب الآن، لأن ذلك كتبته وأنا فى سن صغيرة. فالتناقض بين النزعتين لم يعد يهم كثيرا فى وجود قوى أخرى أكثر قوة". وهذا ما يفسر استناد أعمال أكرويد الروائية أو غيرها على ذلك "الموروث" الأدبى منكرا أى صلة له بالحداثة والحداثيين.

كاتب المقال

حسام الأشقر

اليوم الجديد