البخاري.. وأزمة القدسية

1261
قراء اليوم الجديد

نورا الغزالي


 

فواه متفرقة وألسنة حداد مرقت دعواتها مؤخرا كالسهم من الرمية، تدعو وتلح في نزع قدسية صحيح البخاري ، وذلك بنصب كلابيبهم في متن أحاديثه التي جمعها وعنعنته،  تصور الأمر برمته على أنه أزمة مستعصية وأن ما رود به سُبة في جبين الإسلام، على اعتبار بأن هذه الأحاديث تحارب المعاصرة وتتنافى مع ما أثبته العلم الحديث، بحسب ما زعموه.

لم يقتصر الأمر عند هذا الحد بل تجاوزوا لاتهام أحاديثه بالتخلف والرجعية، وصدروا للمشهد عدد من هذه الأحاديث منها "السبع تمرات"، و"طول آدم" و "وقوع الزبابة في الإناء" وغيرها من الأحاديث، التي رأوا فيها أنها بعيدة عن المنطق والعقل.

بل وصل الأمر بالبعض بأن جعل هذا الصحيح إرهابًا ويدعونك إلى أن تتحسس مسدسك عند ذكر البخاري.

لذلك أخذ هؤلاء الجهابذة وأفذاذ العصر البحث عن حل أمثل، يقيهم شرور البخاري وصحيحه، وأخيرًا عثروا على "الإبرة" المفقودة في كومة القش، وخلصوا إلى نُسقط عن البخاري قدسيته ونقدم صحيحه في أكفان التاريخ يدخل معامله، ويخضع لقوانينه، وأحكامه من تصديق أو نعتبره كله أو بعضه محض افتراء، وذلك بزعم حفظ قدسية القرآن نفسه التي في نظرهم تتنافى مع ما أسقطه الناس على البخاري وصحيحه من قدسية.

لذلك عابوا عليه تحريه الدقة والصدق فيمن أخذ عنهم أحاديثه، حتى أنه يرفض الأخذ عن راعي الغنم الذي خدع مواشيه بالطعام في جلبابه الفارغ، فوصفوه بعدم الأمانة لأنه لم يجمع كل ما عرض له من أحاديث أو أخبار عن هذه الفترة (حياة الرسول وأقواله) حتى ولو تبين له سوء خلق أو كذب محدثه، فهو لم يتعدى في نظرهم مجرد شخص جامع للتاريخ فقطـ، وكأن قوة تثبته وحسن تمحيصه "ريبة" جديدة كان على الرجل أن يتملص منها حتى يُرضى أصحاب الأهواء.

عجب وأي عجب من تصاعد هذه الطعنات النافذة والحمم الغاضبة التي انطلقت متزامنة من براكينها من كل حدب وصوب تنذر من شر هذا البخاري المستطر الذي يرقد في مثواه بسلام منذ مئات القرون،

فلا أظن أن هذه " السفسطة الفارغة" وهذا البالون المنتفخ هباء عن قدسيته، والتي تتخذ منها وسائل الإعلام وقود تشعل به نفوس الغاضبين، تنال منه خاصة وأن القضية محسومة "البتة".

فالبحث في صحة أحاديث «البخارى» لم يكن يومًا خروجاً على الدين، أو هدمًا للإسلام، ولعل موقف بعض كبار العلماء والفقهاء والمحدثين الذين رسخت أقدامهم في السنة قديمًا وحديثًا، خير دليل على ذلك، فصحيح البخاري لم يخرج خارج بند التمحيص، بل والنظر في بعض أحاديث وردت في الصحيحين (البخاري ومسلم)، مما لم تتوافق متونها مع نص ورد صريحًا في القرآن الكريم.

 فالإمام محمد الغزالي أعرض في كتابة سيرة رسول الله عن إثبات رواية البخاري ومسلم للطريقة التي تمت بها غزوة بني المصطلق، والتي ذكر الحديث فيها أنه صلى الله عليه وسلم أغار على بني المصطلق على فجأة بدون أن يعرض عليهم دعوة الإسلام ودون أن تسبق الغزوة توضيح الدعوة، فقتل مقاتليهم وسبى ذراريهم وأصاب يومئذ جويرية (زوجة رسول الله)، وذلك بما يخالف نص القرآن الذي يقول فيه تعالى في سورة الأنبياء "قُلْ إِنَّمَا يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ، فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۖ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ"، فوضوح النص وذكره أن الدعوة تسبق السيف، جاء مخالفًا لمتن الحديث، لذلك لم يتحرج عالم وفقيه مسلم بحجم الإمام محمد الغزالي أن يعلن موقفه ورأيه ويقدم نص القرآن على ما ورد في البخاري وغيره، فلا قدسية تعلو قدسية النص.

كما أن حديث سحر الرسول الذي ذُكر فيه أنه كان يخيل إليه أن يفعل الشيء ولم يفعله، الذي ورد في البخاري ومسلم وغيرهما، كان موضع نظر من الإمام محمد عبده، الذي شكك في صحة الحديث لأنه في نظره يصدق قول المشركين فيه: «إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً»، مبينًا أن الحديث من الآحاد التي لا يؤخذ بها في باب العقائد، وأن عصمة النبي من تأثير السحر في عقله، عقيدة من العقائد، لا يؤخذ فيها بالظن المظنون".

فأي قدسية يتحدثون عنها بعد ذلك، وأي رفعة لكتاب مهما كان كاتبه، نقارب به كتاب الله، وأي غرض يرمي هؤلاء من وراء تصدير صورة مغلوطة على أن أهل العلم والدين رفعوا أحاديث البخاري إلى مرتبة التنزيل الحكيم، وأخيرًا يُلح السؤال لماذا كان دائمًا "البخاري" على موضع نصل سيوفهم وأسنة رماحهم، ينالون منه دون غيره بالجرح والطعن، وكأنه يهالهم أن يُرفع رجل قضى عمره يجمع في أحاديث رسول الله ويقطع الأمتار والأميال بحثًا عن رواة الحديث أن يُشهد له بحسن الصنيع وأن ترفعه الأعين إلى مواضع محمودة.

اليوم الجديد