الرصيف من حقي

8/28/2019 9:52:54 PM
112
كتاب اليوم الجديد

حسن السعدي


يبدو أن ضعف الرقابة أحيانا وغياب الضمائر أحايين كثيرة جعلت من الحملات الشعبية وسيلة جديدة من وسائل المواجهة فى مجتمعنا، حيث تناولنا بالأمس القريب عددا من حملات "خليها..." فإذا بنا اليوم نجد حملة جديدة تدعو إلى عودة الرصيف لمستحقيه تحت شعار "الرصيف من حقى". وعلى الرغم من أن الحملة تُطل على استحياء من خلال وسائل التواصل الاجتماعى، إلا أن مشروعيتها وقيمتها قد حدت بى إلى أن أساندها من خلال نافذتى المتاحة بجريدتنا الغراء.

  نعم "الرصيف من حقى"، لأنه الملاذ الآمن فى وجودى بالشارع، بدلا من مزاحمة السيارات فى مسارها. أو السير الحلزونى لتفادى المركبات بأنواعها، وكذا البشر الذين يواجهون ذات المصير بالحرمان من السير على الرصيف.

 نعم "الرصيف من حقى"، لأنه لم يخلق فى أى مكان بالعالم لإشغاله بالمقاهى، التى لا تراعى حرمة الطريق، ولا بصناديق البضائع التى يكاد يمتد بها صاحبها إلى منتصف نهر الشارع، لو أتيحت له الفرصة.

 نعم "الرصيف من حقى" لأنه ليس مخصصا لركن السيارات التى لا يكتفى أصحابها بحقهم فى نهر الطريق فيزاحموننا فى رصيفه. كما أننى لست مسئولا عن فشل المسئولين فى إيجاد مرابض للسيارات، بعيدا عن ملاذى الآمن بالرصيف.

نعم " الرصيف من حقى" لأننى لست مسؤولا عن مشكلة البطالة، سواء بعدم استيعاب سوق العمل للخريجين أو تسريح العديد من العاملين بحجة الخصخصة غير المدروسة فى العهد المباركى. حيث أصول الدولة قد بيعت على المشاع، والعاملون فيها يواجهون الضياع. حتى أنه بعدما كانت المقاهى تجمعا لبعض الحرفيين فقد باتت للمؤهلات أيضا، فذلك مقهى المهندسين وآخر للصيادلة وثالث لخريجى الآداب أو العلوم وكذا الحقوقيين وهكذا.

نعم "الرصيف من حقى"، لأننى لا أحب أن أوصم بالفوضوية وعدم التحضر، حيث الرصيف يمثل حالة من محددات الحركة مثلما تمثل منظومة القيم حالة من محددات السلوك. وضياع هيبة الرصيف كفيلة بأن تشى بضياع هيبة القيم فى مجتمعنا.

نعم "الرصيف من حقى"، حيث المفترض أن يصمم بشكل يسمح لأصحاب الهمة والعزيمة بسهولة ارتقائه بكراسيهم المتحركة أو عكاكيزهم دونما حاجة لمساعدة الآخرين. ومن ثم يصبح الرصيف بوضعه الحالي، بمثابة الشهادة السالبة بل والمخزية، حيال إنسانية المجتمع، الذى يضع العراقيل أمام البعض من أبنائه الذين كان من الواجب تذكرهم عمليا بتيسير تحركاتهم وتذليل صعوباتها.

نعم " الرصيف من حقى"، لأن البادى من سيطرة بعض الجهات عليه، أن سيادة القانون فى المجتمع (بعافية شوية)، حيث بات طبيعيا أن تقوم كل هيئة أو مؤسسة باستقطاع جزء من الرصيف لحساب سياراتها غاضين الطرف عن مشروعية ذلك.

نعم "الرصيف من حقى"، إذ ينبغى تجريم وضع السلاسل والأعمدة بل والأحجار، التى كم آذت من المارة الذين انكفأوا على وجوههم دون ذنب جنوه، سوى أن حظهم العثر قد ساقهم لأفخاخ التهلكة. حيث الإصابة التى لم يسأل أحد عنها والإيذاء البدنى والنفسى والمادى من جراء التعطيل القسرى، بسبب تلك الوسائل البدائية القميئة.

نعم "الرصيف من حقى"، فلست مسئولا عن فساد موظف أعدم ضميره ومنح التراخيص التى تحمل ضمنيا حقا مكتسبا لحاملها فى التوسع الأفقى على حساب الرصيف، ما دامت المصالح التبادلية باتت دليلا على "التوافق الاجتماعى" بين طرفى المعادلة أو بالأحرى أطرافها؛ الراشى والمرتشى والرائش أى الوسيط.

نعم "الرصيف من حقى"، فلست من وضع عليه بعشوائية مقيتة صناديق القمامة الضخمة برائحتها التى تبز نافخ الكير أو بأذرعها الكفيلة بإصابة من سار مسالما بجوارها، طالما أن سيارة جمع القمامة تتبنى المثل العامى الشهير (يا بخت من زار وخفف).

نعم "الرصيف من حقى"،  اللهم إلا فى حالة واحدة فقط، عندما لا يوجد أصلا أو يصبح شريطا رفيعا يحتاج للاعب سيرك للسير عليه فرادى، كى ينعش ذاكرتنا حتى لا ننسى أهمية الطوابير فى حياتنا!     

كاتب المقال

حسن السعدي

أستاذ الحضارة المصرية بآداب الإسكندرية

اليوم الجديد