مجنون في عنبر العُقَلاء (3)

8/24/2019 1:08:50 PM
181
قراء اليوم الجديد

ماري شاكر


     وأخيراً خَرجَ المَجنون..

     بَعدَ أن خاضَ حَرباً خَرج.. بَعدَ صِراع وَصمود خَرج.. بَعدَ حيرة وَنِزاع خَرج..

     كَسر جُدران قَفَص نَفسه وَبَدَأَ يَبحَث عَن ذاته..

     كانَ يَعلَم ان العاصِفة مُستَمِرة بالخارِج, بل انها ازدادت. فبَدأ يَتَساءل مُتَحَيِراً أهو نوع مِن استِفزاز الطَبيعة لي أَم هي نوع مِن أنواع المُؤامَرة الكَونِية !

     أتَستَفِزَني حَتى أخرُج لمواجَهَتها أم تَتَحدَاني حَتى تَطرحني إلى الهاوِية !!

     أم لأخرُج لأواجِهها فَتَجعَلَني أقوَى !

     في كُل الحالات سأكون الأشجَع..

     أنا الروح التي تَمَرَدَت.. الروح التي عانَت فانسَحَبَت فانغَلَقَت على نفسِها ثُمَّ تَحَرَرَت.

     وَما الذي سأواجِهَهُ ؟! أحُرَّية تِلك أم استِعبَاد ؟!! أسَتَرحَمني تِلكَ العاصِفة أم تُحنِيني ؟!!

     تَسَاؤلات وَتَسَاؤلات وَلم يَجِد لها أيَّة إجابَات.

     وَبَدَلاً مِن أن يَظل حَبيساً مُتَساءِلاً ومُتَحَيِراً.. قَرَرَ أن يَكسر حاجِزه ويَخرج ويُواجِه..

     واجَه نَفسه أولاً ؛ كَفَى لفِكرة المَكان الآمِن.. كَفَى لفِكرة الاستِسلام.

     ثُمَّ وَاجَه مَن حاوَل إرجاعه لعَنبَر العُقَلاء بكُل غُرَفه وامتِداداته.

     ثُمَّ وَاجَه العاصِفة بالخارِج.. خارِج أسوار العَنبَر وخارِج أسوار نَفسه.

     وَدَّع العَنبَر بمَن فيه مِن أشخاص وَأحداث.. غُرَف وآثاث.

     وَدَّع لَوحَته الجَميلة , التي كانت مُتَنَفَسه المَرسوم إطارها بِماء الذَهب..

     وَدَّع كُل شئ.. ولكِن سَيظل كُل شئ مَحفور داخِله.

     وَخَرَج...

     وَجَدَ العاصِفة بمُجَرَد خروجه هَدَأت نِسبِياً, فَشَعَر بأنها خطة لتَجذبه داخِلها..وَبالفعل ما تَوَقَعه قَد حَدَث.

     أحاطَت به.. حَوَّطَته..اقتَحمَت نَفسه وطَرَحَته..

     كانَ قَد واجَه عَواصِف مِن قَبل وَلكِن تِلك العاصِفة كانت مُختَلِفة. كان قَد سَمع بوجودها واعتقد انَه يُمكنهُ مواجَهَتها. لَكنه تَفاجأ بِرَد فِعله تِجاهها.

     حاوَل في البداية مُواجَهتها ومُقاوَمتها بل ومُصارَعتها ثُم تَفاجأ باستِسلامه ! انحَنى واستَسلَم ثُمَّ دَخَلَ في حالة تَفكير عَميق ثُمَّ سُبات..

     وفي ذَلِك السُبات بَدَأ يَحلم.. حَلِمَ بتَرويض العاصِفة.. كأنها خَيل جامِح بَدَأ هو في حنُو لَمسه , وَجَد بِه جرح فطَيَّبه.. احتَضَنه ورَوَّضه.. ثُمَّ بَدَآ اثناهما في الرَقص.

     أفاق مِن سُباته وَبالفِعل وَجَد نَفسه يَرقُص , يتمايَل مَع رِياح العاصِفة.. دَخَل داخِل دَوَّاماتها بحَرَكات دائِرية كالصُوفيين في رَقصة التَنورة.. رَجِع بخيالِه وذاكرتِه لِما قَرَأه عَن بِداية تِلك الرَقصة كَما وَضَعها شَمس التبريزي ومَولانا جَلال الدين الرومي .. فَتَخَيَّل نَفسه مَعهُم في تِلك الرَقصَة وبدأ يُطلِق العنان لروحه وتَرَكَ العاصِفة تَقتَحِم وِجدانه حَتَّى أصبحت جُزءاً مِنه فَلَم يَعُد يَهِبها.. تَرَكها تَسري في كَيانِه فأَحَب ذَلِك الإحساس.تَرَك العنان لمَشاعِره تنساب في عِشق ذّلِك الشئ الغير مَفهوم والغير مُدرَك.

     شَعرَ بالحَياة..

     الحَياة.. كان قد بَدَأ يَنسَى تِلك الكَلِمة بَينَما كان بَدَأ يَتَعَقَّل وَيَنسى جُنونه وَفِطرَته داخِل عَنبَر العُقَلاء.

     الحَياة.. لَيسَت فَقَط النَفَس الداخِل وَالخارِج..

     الحَياة.. كَلِمة تَشعُر بِها وَتَعيشها.. تَتَوَغَلَك أوَلاً قَبلَ أن تَحياها, تَسكُن داخِلَك لتَحِسها وَتُصَدِقها.

     بَدَأ المُحتَمين داخِل عنبَر العُقَلاء والعنابِر الاُخرى حَوله يَنظرون مِن خَلف شَبابيك عَنابِرهم ليُشاهِدوا ما يَفعَله المَجنون غَير مُصَدِقين ما يَحدُث.

     كَيفَ يُمكِن لجَبَل الثَلج ذاكَ أن يَنفَعِل مَع تِلك العاصِفة ! كَيف يُمكِن لِمَن كان أحياناً اُخرى يتحول من جَبَل ثَلج ليَظهَر كَجَبَل من الرِمال المُغَطاة بحَبَّات الذِهَب أن يَسمَح لعاصِفة أن تَنثر حبَّاته بفِعل الرِياح.

     وَلَم يَكُن أَحَد مِنهُم يَعلَم أن البُركان الكامِن داخِله بَدَأَت تَعلُو حِمَمه وَبَدَأت تَنصَهِر لِتُذيب شيئاً فشئ قَسَاوة جَليده وبرودَته, بَل وَجُزءأً مِن شموخه الذي كانَ يُزعِج الكَثيرين وَيُثِير تَخَوُفهم مِن مُجَرَّد مُحاوَلة الاقتراب مِنهُ.

     وَكان مَجنوننا في وَسط تَمايله وَرَقصه داخِل العاصِفة,أو العاصِفة داخِله, يُسَيطِر عَليه كعادَته تَفكيره الدائِم بحُكم العادَة. وبَدَأ السؤال الوُجودِي يَدور في خِلده.. أيَحِق لي؟! أو بالأصَح أيَحِل لي؟ّ!

     أيَجوز أن أترُك كُل شِئ وَاندَمِج وانفَعِل بتِلكَ العاصِفة؟!

     أيَحِق لي أن أقتَحِمها لتُشعِرني بالحَياة؟!

     أيَحِل لي أن أترُكها تَتَوغَلني بكُل ذَلِك العُمق؟!

     هَل سأظل أرقُص مُتمايِلاً.. أعيش وَأتنَفَس الحَياة للأبَد أَم سَتَطرحني العاصِفة صَريعاً؟!

     هَل سَتَترُكني العاصِفة وتَهدأ وَتَمضي وَأظل أَرقُص وَحدي كالمجذوب؟!

    لَم يَجِد أيَّة إجابات.. إلَّا انه أَخَذَ يَرقُص مُتجاهِلاً ما يَحدُث مِن حَوله مِن نَظَرات العُقَلاء وَدَهشَتهم لتَصَرُفه غَير المُعتاد, وَأيضاً الأَهَم مُتَجاهِلاً تَساؤلات نَفسه داخِله.

     فَإنَه أخيراً كَسرَ الجُدران وَخَرَجَ وَعَاش.

    

   

    

    

    

    

اليوم الجديد